إذا وقع الألم فهلّا قلتم : إن التكليف لا يقتضي وجوب الثواب عليه إذا وقع الفعل ؛ لأن الثواب لا يستحقّ بنفس التكليف ، وإنما يستحق بالطاعة ؛ كما أن العوض يستحقّ بالألم لا بالتمكين ، وكلاهما من فعل العبد وإن كان التمكين من فعله - تعالى - ، قيل له : إن القصد بالتمكين من الألم ليس هو فعله فلا يجب العوض عليه - جل وعلا - إذا اختار الممكّن الألم ، والقصد بالتكليف إيجاد ما يستحقّ به الثواب ، فلا بدّ من أن يتضمّن وجوبه عليه . ولو أنه - تعالى - مكّن من فعل ما يستحقّ به الثواب ولم يكلّف لم يلزمه بذلك الثواب ، ولو أنه - تعالى - أباح للممكّن الألم لكان قد التزم به العوض ، على ما نقوله في إباحة ذبح البهائم ، وهذا يسقط ما سأل عنه .
فإن قيل : فما الّذي يقتضي التكليف وجوبه على القديم - تعالى - ؟ قيل له : ثلاثة أشياء . منها التمكين لأن التمكين بالإقدار وغيره إذا تأخّر عن حال التكليف لم يجز أن يقال أن / تقدمه شرط في حسن التكليف . فلا بدّ إذا من القول بأن التكليف يقتضي وجوبه عليه . ومنها الألطاف لأنها تنقسم . فما قارن التكليف يكون تفضّلا ، من حيث كان له ألّا يفعله - تعالى - بألّا يفعل التكليف معه ولم يتقدّم ما يقتضي وجوبه ، فكما أن التكليف تفضّل فكذلك اللّطف المقارن له ، ويفارق التمكين الّذي يتقدم التكليف . فأمّا التمكين الّذي يفارق التكليف فالقول فيه كالقول في الألطاف ، وإن ثبت في اللطف ما يجب تقدّمه لحال التكليف حلّ محلّ التمكين في أنه شرط في حسن التكليف ، وما تأخّر عن حال التكليف فلا بدّ من القول بوجوبه عليه .
وسنذكر القول في ذلك في موضعه إن شاء اللّه . ومنها الثواب لأن التكليف يقتضي وجوبه بشرط أن يؤدّى المكلّف ما يجب عليه ولا يحبط ثوابه ، وكلّ ما لا تتم هذه الأمور الواجبة إلّا به فلا بدّ من وجوبه ؛ لأنه قد ثبت أن ما لا يصح أداء الواجب إلا معه على كل وجه فيجب أن يكون واجبا . ولذلك قلنا بوجوب الإعادة إذا أفنى اللّه - سبحانه - العالم .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 431
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٣١