تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً )
الآية ؛ لأنه تعالى إذا رزقهم ذلك لم يصحّ كونه ظلما وتعديا . فإن قيل : إنه تعالى إذا خلق فيه شهوة الحرام ، كما خلق فيه شهوة الحلال ، فيجب أن يكون / رزقا له ؛ لأن معنى الرزق كونه مشتهيا له ، ومنتفعا به ومتمكّنا منه . قيل له : إن الّذي قدّمناه يسقط هذا القول ، ويوجب أن الإنسان كما قد يشتهى المحرّم والمحلّل ، فكذلك قد يشتهى ما رزقه وما لم يرزقه ، وكما قد يشتهى ما يملك غيره ، وما لا يملكه ، فكذلك ما قلناه . وقد ثبت أيضا أن ما ينفر طبعه عند قد يكون رزقا له إذا انتفع به في العاقبة ، أو صحّ أن يتوصّل به على بعض الوجوه إلى منافعه ، وذلك يبطل القول بأن الرزق هو ما تعلّق شهوته به . وقد يذم السلطان بأن يقال : إنه يريد أن يستولى على أرزاق الناس فيأخذها ، كما يقال : إنه قد استولى على أملاكهم . وذلك يبين أن تمكّنه من تناول الشيء لا يجعله رزقا له . واعلم أنا إنما عظّمنا الخطأ في هذا الباب ؛ لأن من نسب الحرام إلى أنه رزق لمن تناوله فقد وصف اللّه تعالى بأنه رزقه الحرام ، وأنه من اللّه ويوهم ذلك أنه تعالى فعل القبيح ، أو أباحه ، أو دلّ على حسنه ، أو حكم بذلك فيه أو أنه أباح المنع مما رزقه العبد إلى ما شاكل ذلك . فأما إذا اعترف الخصم بأن ما تناوله الظالم محرّم عليه ، يستحقّ به الذّم والعقاب واللعن والحدّ ، وأنه تعالى منعه من ذلك ، وأوجب علينا منعه منه ، وأنه يلزمه ألّا يتناول ذلك ويردّه إلى صاحبه ، ثم قال مع ذلك : إني أسمّيه رزقا له ، أريد بذلك أن يده قد احتوت عليه ، وقد مكّن منه كتمكينه من / أملاكه ، فقد أصاب المعنى ، وأخطأ في العبارة . فالوجه في بيان خطئه من الوجه الّذي قدّمناه في حد الرزق . وهذه جملة مقنعة في هذا الباب .