ليصير بالتكليف ملتزما له . وذلك غير ممتنع ؛ لأنه قد يجب الفعل لمكان فعل تقدّمه ؛ ألا ترى أن الواحد منا قد يجب عليه إذا ألزم غيره الشاقّ العوض ، وإذا عقد مع غيره عقد معاوضة البدل . ولم يكن لأحد أن يقول : إذا كان الأمر غير واجب لولا تقدّم ما يقدّم فهلّا قلتم : إنه غير واجب مع المقدّمة ، فكذلك القول في التكليف .
فإن قيل : ألستم تقولون : إنّ الوعد من الواحد منّا بالشيء لا يقتضي / وجوبه علينا ولا على القديم - جلّ وعز - فهلّا قلتم : إن التكليف لا يكون سببا لوجوب اللّطف وغيره ؛ قيل له : إنه لا يجب إذا ثبت كون الشيء سببا لوجوب غيره أن يشبّه به غيره بلا دليل يقتضي ذلك فيه ، ولا إذا ثبت في بعض الأمور أنه لا يقتضي وجوب غيره [ أن ] يحكم بمثله « 1 » على سائر الأمور بل يجب أن يقف الأمر فيه على الدليل . وقد صحّ أن الواحد منا إذا وعد غيره بشيء فإنما يحسن ذلك منه إذا أخبر عن عزمه ؛ لأنه لا يعرف العواقب ، ويجوز الاخترام قبل الإنجاز ، فلا يحسن منه أن يخبر بنفس الفعل مع تجويز كونه كاذبا . وإذا صحّ ذلك وكان العزم في الحال ثابتا فلا وجه يقتضي وجوبه عليه ؛ لأن الخبر ليس بخبر عنه ، ومن عزم على فعل شيء لم يلزمه فعله ، فلذلك قلنا : إن الوعد لا يقتضي وجوب الفعل . ولو أخبر بعض المخبرين عن الفعل نفسه لكان وعده قبيحا ، ولا يجوز أن يقتضي ذلك وجوب الواجب عليه . فإذا لم يثبت في الشاهد كون الوعد سببا لوجوب الإنجاز فلا يصحّ مثله في القديم - تعالى - .
فإن قال : أليس قد ثبت أن من نذر الشيء يلزمه الوفاء به إذا لم يكن في معصية فهلّا دلّ ذلك على وجوب الوفاء بالوعد ؟ قيل له : إن ذلك إنما يجب سمعا . فأمّا من جهة العقل فإن وجوب الواجب لا يتغيّر بالأقوال والضمان والعزوم . فإذا ثبت بهذه الجملة أن الوعد في الشاهد لا يوجب الإنجاز فكذلك في الغائب ، فلذلك اخترنا ما قاله شيخنا
هامش
( 1 ) في الأصل : « فمثله » .