وقد بينّا أنه ليس من شرطه أن يكون مريدا للثواب والجزاء إلا في حال فعله لهما .
وإنما يجب أن يكون عالما بذلك وبأنه سيوفّره على مستحقّه . وقد سبق تفصيل ذلك .
وليس من صفات / المكلّف أن يكون مريدا لفعل ما كلّف حالا بعد حال ؛ لأنه متى أراده أوّلا أغنى عن تكرير الإرادة قبل وجود الفعل . وقد بينّا تأويل قوله تعالى :
وَما تَشاؤُنَ
« 1 »
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ،
وأنه لا يدلّ على أنه تعالى يشاء فعل المكلّف في كل حال شاءه العبد .
وقد بينّا أن من المتكلمين من زعم أن من شرط حسن التكليف منه تعالى أن يكون آمرا بالشيء قبل حاله بوقت أو أوقات يمكنه معها الفعل ، وأنه لا بدّ من أن يجعله في حال التكليف بالصفة التي معها يصح أن يؤدّى ما كلّف ثانيا . وليس الأمر كما قدّر لأنه يحسن منه - تعالى - أن يكلّف الجاهل بالنبوّات أن يفعل في المستقبل الصلاة ، وإن كان المعلوم أنه لا يعرف النبوّات ويضيع لذلك العلم بالشرائع والصلوات .
وقد بيّن شيخنا أبو هاشم - رحمه اللّه - أن التمكين من العلم يجرى مجرى العلم في حسن التكليف . ولذلك يستحقّ الخارجىّ الذمّ على قتل المخالف ، والبرهمىّ الذمّ على الإخلال بالشرائع ، وإن لم يتمكّنا - وهما على تلك الحال - من أداء ذلك ؛ لأنه قد كان يمكنهما أن يتوصّلا إلى ذلك بأمور يمكنهم إحداثها ، فلمّا أخلّوا بها أتوا من قبل أنفسهم في فقد التمكّن من هذه الأمور ، فاستحقّوا الذمّ . ولذلك صار المخلّ بالمعارف مستحقّا للذمّ ؛ لأنه لم يفعل سائر الواجبات في هذه الأوقات التي لو لم يضيّع المعارف من قبل لأمكنه أن يعلمها ويؤدّيها على الوجه الّذي كلّف .
وليس لأحد أن يقول : إذا كان المعلوم من حال المكلّف أنه لا ينظر في معرفة اللّه فلا يمكنه لذلك أن يؤدّى الشرعيات في الحال العاشر ، فيجب ألّا يحسن أن يأمره
هامش
( 1 ) الآية 29 سورة التكوير .