ما يستوجبها ، وإنما يستحقّها من حيث فعل ذلك . ولذلك نصفه - تعالى - بأنه إله الجماد ولا يستحقّ العبادة على الجماد ؛ لأنه وإن كان قادرا على أن يفعل به ما يستحقّ معه العبادة فهو غير فاعل به ذلك .
فإن قيل : أليس قد أمر اللّه الملائكة بالعبادة لآدم والسجود له ، وذلك يبطل قولكم : إنه - تعالى - المختصّ بذلك ؟ قيل له : إنه - تعالى - لم يأمر بأن يعظّم بالسجود آدم ، وإنما أمر أن يعظّم هو تعالى بذلك ، وإن كان السجود نحو آدم ولمكان بنوّته يتضمن تعظيمه صلى اللّه عليه وسلم . فجرى ذلك مجرى أن نطيع الرسول عليه السلام ؛ بالصلاة وإن كنا نفعلها عبادة للّه سبحانه . فمن حيث كنا نطيعه صلى اللّه عليه بها يتضمّن تعظيمه ، وإن كانت لا تحصل عبادة إلّا للّه تعالى دون غيره . وقد أجيب عن ذلك بأنه عليه السلام كان كالقبلة في السجود . فكما أن صلاتنا لا تكون عبادة للبيت وإن كنا نصلّى إليه فكذلك لا يكون السجود عبادة لآدم . وهذا وإن أمكن أن يقال على جهة التقريب فهو مخالف للسجود نحو آدم ؛ لما في ذلك / من تعظيمه على بعض الوجوه . وليس كذلك حال السجود نحو القبلة . فهما من هذا الوجه مختلفان وإن اتّفقا ، من حيث لم يكن عبادة لواحد منهما وكانت العبادة له تعالى . والعبادة إذا كانت تتضمّن الخضوع والتذلّل على طريق التعظيم للمعبود فلا بدّ من أن تستند إلى علم بحال المعبود وأنه مختصّ بما معه يستحقّ ذلك ، وذلك لا يصحّ في الجمادات . وقد يصحّ أن نعتقد في الحىّ بعض هذه الصفات . فالواجب إذا أن نعوّل في الجواب على ما ذكرناه .
فأمّا عبادة العرب للأصنام فذلك غير طاعن فيما ذكرناه ؛ لأنا لم نقل إن العبادة لمن لا يستحقّها غير مقدورة ، وإنما قلنا : إنه لا يستحقّها إلّا القديم تعالى ؛ كما أن الشكر لا يستحقّه إلا المنعم ، وإن صحّ من جهة القدرة أن يفعل بغيره . ولا شبهة في أنه لم يكن من الأصنام نعمة على من عبدها ، فضلا عن أن يكون منها من الإنعام ما يستوجب
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 419
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤١٩