الصفة التي يجب لأجلها عليه الواجب من قبل غيره البتّة ، ولا يجوز أن يكون مكلّفا لنفسه ، ولأن الأفعال لا تشقّ عليه أصلا . وليس كذلك حال الواحد منا ؛ لأنه ممّن يحصل على الصفات التي معها تلحقه الكلفة ويلزمه الواجب من جهة القديم - تعالى - فصحّ أن يكون - تعالى - مكلّفا له من حيث جعله كذلك ، وحسن أن يكلّفه لكونه قادرا على ما معه يحسن ذلك : من المجازاة وغيرها . ولسنا نجعل العلّة التي لها يحسن منه - تعالى - أن يكلّف هي النعم ، وإنما نجعل النعم علّة في حسن عبادته وشكره ، على ما سنبيّنه من بعد ؛ لأن العبادة تعظيم فلا بدّ من أن تجرى مجرى الشكر في كونها مستحقّة بالنعم والتكليف . وإنما حسن لما للمكلّف فيه من المنفعة ، فيجب أن تكون العلّة فيه ما ذكرناه .
فصل في أنه - تعالى - المختصّ باستحقاق العبادة وما يتّصل بذلك
اعلم أن في جملة ما يكلّفه - تعالى - من الأفعال ما لا يحسن إلّا إذا وقع على وجه العبادة . فلذلك بينّا ما له يستحقّ العبادة ويحسن منا أن نعبده .
قد ثبت أن العبادة ضرب من الخضوع والتذلّل للمعبود على سبيل المبالغة لتعظيمه .
فيجب ألّا تحسن إلّا مستحقّة بفعل ؛ كما أن الشكر / لا يحسن إلّا مستحقّا بفعل . وقد علمنا أنه - تعالى - يستحقّ ذلك علينا للإنعام العظيم . فيجب أن يكون علّة استحقاقه ذلك دون غيره . فإن قيل : أليس قد شارك القديم - سبحانه - غيره في كونه منعما ، فهلّا استحقّ العبادة بذلك ؟ قيل له : إنه لا يستحقّ بالإنعام فقط ، وإنما يستحقّ بإنعام مخصوص لا يصحّ إلّا فيه - تعالى - وهو لأن « 1 » نعمه مستقلّة بنفسها ، وهي أصول النعم مع عظمها ؛ لأن نعم غيره لا تكون نعما إلّا بنعمته - تعالى - من جهات ، فلمّا
هامش
( 1 ) كذا . والأنسب : أن .