اختصّ نعمه بهذه الخلال اختصّ باستحقاق العبادة دون غيره ؛ لأن العبادة إذا تضمّنت التناهي في التعظيم والتذلّل والخضوع وجب كونها تابعة للإنعام الّذي لا مزيد عليه في بابه .
فإن قيل : أليس قد ثبت أن ما يستحقّ بالأفعال يتزايد ، فقد يستحقّ بيسير الفعل اليسير منه كالمدح والذمّ والشكر وغيره ، فهلّا استحقّ سائر المنعمين قدرا من العبادة لمكان بعضهم ، وأن يكون المزيّة له تعالى أنه يستحقّ العظيم من العبادة لعظم نعمه ؟
قيل له : إن العبادة لا تنقسم ولا تتجزّأ من جهة العقل ، وإنما تعظم بالقصد الّذي تقتضى فيه المبالغة في الخضوع والتذلّل للمعبود . ولذلك تتساوى عبادة الضعيف وعبادة القوىّ . فإذا قبح أن يقصد إيقاع الفعل على هذا الوجه إلّا له تعالى وجب كونه مختصّا باستحقاق العبادة دون غيره . وفارق حالها حال سائر الأمور المستحقّة بالأفعال .
فكأن العبادة متى قصد بها ما ذكرناه كانت عبادة ، ولم تحسن إلّا له تعالى . ومتى لم يقصد ذلك بها لم تحصل عبادة أصلا . فالسائل بما سأل عنه كأنه طالبنا بأن يحسن منا أن يفعل بعضنا / ببعض ( ما ليس « 1 » بعبادة ) وذلك صحيح عندنا ، أو أن يحسن أن يفعل بعضنا ببعض مثل ما يجب للقديم من العبادة ، وقد أقرّ بقبح ذلك .
فإن قيل : ألستم تقولون في القديم تعالى : إنه إله فيما لم يزل « 2 » ، وقلتم في حقيقة الإله : إنه المستحقّ للعبادة ، وهو فيما لم يزل لم يفعل النعم ، وذلك يبطل القول بأن العبادة تستحقّ بالنعم قيل له : إن الإله هو الّذي تحقّ له العبادة وتليق به . ومعنى هذا الكلام أنه القادر على أن يفعل من الإنعام ما يستحقّ به ذلك . فلمّا اختصّ بذلك دون غيره اختصّ بكونه إلها . وليس يستحقّ العبادة من حيث كان قادرا على فعل
هامش
( 1 ) هذه العبارة كتبت في الأصل قبل ( أن يفعل بعضنا ببعض ) .
( 2 ) أي في الأزل .