تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
يريده لكان المقتضى لذلك فيه هو كونه مستحقّا به ، والاستحقاق يرجع إلى التفصيل لا إلى الجملة . فالقديم - تعالى - عالم بالتفصيل ، وذلك يوجب عليهم ما قدمناه . وبعد ، فإذا صحّ من الواحد منا أن يأمر غيره بالمعروف وإن لم يرد في الحال ما يستحقّه من المدح والثواب فهلّا صحّ منه - تعالى - أن يريد من المكلّف هذه الأفعال وإن لم يرد الثواب . فإن قال : إنما فارق حاله - تعالى - حال الشاهد لأنه - تعالى - معرّض والآمر بالمعروف ليس كذلك / فكما يجب افتراقهما في ذلك فكذلك فيما قلناه ؛ قيل له : إن أمره - تعالى - وإرادته إنما وصفا بذلك لأنه - تعالى - مع كونه مريدا منه الفعل قد جعله بالصفات التي يمكنه معها التوصّل بالفعل إلى الثواب المطلوب فصار معرّضا لذلك ، وليس كذلك حال الآمر بالمعروف . ولو وجب ألّا يكون تعالى معرّضا إلا مع إرادة الثواب لم يكن هناك علّة سوى كون الثواب مستحقّا بما أراده منه ، وذلك قائم في الأمر بالمعروف ، فلذلك لزمهم ما قلناه ، ولم يرجع علينا في التعريض . فإذا صحّ بهذه الجملة أن التكليف يكون تعريضا للثواب وإن لم يرده - تعالى - فقد سقط ما حكيناه عنهم في أوّل الفصل ؛ لأنهم بنوه على هذا الوجه . فأمّا الوعد فلا يتّصل بذلك لأن الوعد هو خبر عن أنه سيفعل بهم الثواب المستحقّ ، ولا شكّ أن المخبر لا يجب أن يكون مريدا لما أخبر عنه ؛ لأنه قد يخبر عمّا يستحيل أن يريده . فمتى أورد هذه الزيادة في هذه المسألة فقد جمع جهلا إلى جهل . ولو كان التكليف لا يحصل تعريضا إلّا بهذه الإرادة لوجب إخراجها من باب العزم ، على ما قاله القوم ، ولحصل فيها معنى تخرج به من أن تكون عبثا ، ولم نقل : بأن العزم لا يجوز على اللّه - تعالى - لأنها إرادة متقدّمة فقط . وإنما حكمنا بقبحه لأنه لا معنى فيه ، فلو حصل في بعضه معنى لخرج من كونه عبثا ولحسن ، لكنّا قد بينّا فيها ما يقتضي أن تكون لا حقة بباب العزم ؛ من حيث لم يصحّ ما زعموه من أن التكليف لا يكون تعريضا إلّا بها .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 414 | القاضي عبد الجبار الهمذاني