تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢

فصل في أنه ليس من شرط التعريض للثواب إرادة الثواب

زعم قوم أنه - تعالى - لا يصحّ أن يكون معرّضا بالتكليف للمنافع إلّا وهو مريد للثواب في حال التكليف . وكذلك لا يكون معرّضا للآلام بالعوض إلّا وهو يريد فعله في تلك الحال . وجوّزوا على هذا القول أن يقدّم - تعالى - إرادته على المرادات . وقالوا : متى كان التكليف لا يصير تعريضا إلّا بها خرجت من أن تكون عزما ، وجرت مجرى الإخبار ، وحصل فيها معنى تخرج به من أن تكون عبثا ، ففارقت سائر ما لا نجوّزه عليه من الإرادات . قالوا : وإذا صحّ أن يريد - تعالى - أن يفعل المكلّف الطاعة ولا يكون معرّضا ، وصحّ أن يريد أن يفعلها ويكون معرّضا فلا بدّ من إرادة ثانية يقع بها هذا الفعل تعريضا ؛ كما يحتاج الخبر إلى إرادة سوى إرادة إحداثه ؛ ليصير بها خبرا . وكذلك الأمر وغيرهما . وقالوا : لولا أن الأمر كما قلناه لم يجب أن يكون - تعالى - مريدا للثواب بالوعد وللعقاب بالوعيد ، فإذا وجب ذلك صحّ أنه إنما يتمّ ذلك على قولنا . واعلم أن المعرّض قد يكون معرّضا غيره للأمر وإن لم يكن مريدا له في الحال . وإنما يجب أن يكون / مريدا للأمر الّذي يتوصّل به إليه على الوجه الّذي يصحّ التوصل به إليه ، ولكي يتوصّل به إليه . يبيّن ذلك أن الواحد منا قد يعرّض غيره للمنازل وإن لم يكن مريدا لها في الحال إذا أراد ما ذكرناه . فإن قيل : إنما يصحّ ذلك في الشاهد ؛ لأن تلك الأمور لا تكون مستحقّة بما يعرّضه به إليها . فأمّا لو كانت مستحقّة عليه لوجب فيه ما قلناه في القديم ؛ قيل له : قد تكون تلك المنزلة مستحقّة عليه وواقعة به ، ولا يجب مع ذلك أن يكون مريدا لها ، بل ربما لم يخطر له بالبال تفصيلها ، ولا يخرج من كونه معرّضا لها . يبيّن ما قدّمناه أن التكليف لا يصير على بعض الوجوه بالثواب ولا له به