مما ألجئ إلى ألّا يفعله ولذلك قلنا في أهل الجنة : إنه - تعالى - وإن ألجأهم إلى ألّا يفعلوا / القبيح بأن أعلمهم أنهم إن راموه منعوا منه إن ذلك لا يخرجهم من أن يكونوا مخيّرين في أفعالهم مخالفين في ذلك الهارب من السبع .
فإن قيل : فيجب على هذا ألّا يستحقّ القديم - تعالى - المدح بألّا يفعل القبيح ؛ لأنه مع ارتفاع الموانع لا يجوز أن يقع منه ، وكذلك الواحد منّا إذا لم يفعل الشيء لعلمه بقبحه واستغنائه عنه قيل له : إنا كما علمنا في الإلجاء أنه لا يستحقّ معه المدح فقد علمنا فيما سألت عنه أنه يستحقّ لهذا المدح ؛ لأن من لم يفعل القبيح مع علمه بقبحه لا شبهة في أنه يستحقّ في العقول المدح ؛ وما حلّ هذا المحلّ لا يجوز أن يجعل بعضه قدحا في بعض ؛ لأنها أصول في أنفسها . وهذا كما نقول : إن إرادة القبيح قبيحة والعلم بالقبيح حسن ، ولا يسوّى بينهما ببعض العلل من حيث يقدر في العقول مفارقة أحدهما الآخر .
فأمّا الكلام فيمن صفته ما ذكرناه لما ذا سمّى بأنه إلجاء وهل يمكن ذكر حدّ جامع للكلّ فكلام في عبارة . وقد بينّا ما يجب أن يحدّ به .
واعلم أن الإلجاء على ضربين . أحدهما لا يصحّ أن يبعد ويخرج من كونه إلجاء . وهذا نحو الملجأ إلى ألّا يفعل القبيح لعلمه بأنه لو رامه لمنع منه ؛ لأنه - وحاله هذه - لا يجوز ألّا يكون ملجأ إلى ألّا يفعله . فأما الملجأ إلى الهرب من السبع وإلى دخول الجنة وإلى البعوث عند الضرب الشديد فقد يجوز خروجه من كونه ملجأ بأن يرغّب في الثواب العظيم . وعلى هذا الوجه قد كان الواحد من أصحاب الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - يؤثر المبارزة وإن غلب في ظنّه التلف . ولهذا تخرج الهند من الإلجاء لاعتقادهم أن في قتلهم أنفسهم منفعة . وإذا / أثّر الاعتقاد في الشبهة هذا التأثير فبأن يؤثّر العلم مثله أولى .
فإن قيل : فحبّرونا عن الإلجاء الّذي يخرج به المكلّف من أن يحسن تكليفه ما هو ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 398
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٩٨