وحدّ الجسم . فلذلك قلنا : إن ما ذكرناه في الإلجاء تقريب .
واعلم أن الكلام في هذه المسألة قد يتعلّق بالعبارة وقد يتعلّق بالمعنى . فالذي يتعلّق منه بالمعنى أن الملجأ إلى فعل الشيء أو إلى ألّا يفعله لا يستحقّ المدح على فعله وألّا يفعله .
ويفارق في ذلك من يفعل الواجب أو يجتنب القبيح ؛ لأنهما يستحقّان بذلك المدح .
وقد بيّن ذلك شيخنا أبو هاشم - رحمه اللّه - في الأشر وسنيّات الثانية ، لكنه قال : إن الإلجاء هو كل شيء إذا فعل بالقادر خرج من أن يستحقّ المدح على فعل ما ألجئ إليه أو على ألّا يفعل ما ألجئ إلى ألّا يفعله . فذكر أن الأصل في الإلجاء أن يكون محمولا على الفعل بأمر فعل به ليخرج من أن يكون في حكم المختار للفعل لأغراض مجتمعة تخصّه . وهذا بيّن في كثير من أسباب الإلجاء وإن لم يستمرّ في جميعه ؛ لأن العالم بما أعدّه اللّه في الجنة والنار هو ملجأ إلى دخول الجنة ، وهو غير محمول عليه . وكذلك من علم أنه / ينتفع بالأكل ولا مضرّة عليه في تركه هو ملجأ إلى الأكل ، ولا يكاد يقال : إنه محمول عليه . وإنما يكثر استعمال ذلك فيمن تخوّف من أمر فيهرب عنه إلى غيره . فأمّا إذا لم تكن الحال هذه فاستعمال هذه اللفظة فيه يقلّ . ولذلك لا يقال في العالم أنه إن حاول قتل ملك الروم حيل بينه وبينه : إنه محمول على ألّا يقتله . ولذلك قلنا : إن الإلجاء ليس بجنس من الفعل ؛ لأنه لا شيء يشار إليه إلّا وقد يوجد على بعض الوجوه ولا يكون إلجاء . فمن خالفنا في وجوه الإلجاء وقال : إنه قد يستحقّ به المدح فقد خالف في المعنى . وكذلك إن أثبته ملجأ مع المنع والعجز فقد خالف في المعنى .
وكذلك إن أحال مع وجود سبب الإلجاء خروجه من كونه ملجأ فقد خالف في المعنى .
ولا شبهة فيما ادّعيناه فيه من الأحكام ؛ لأن الهارب من السبع لا يمدح على تركه الوقوف ؛ كما لا يمدح المضطرّ . وكذلك فلا يمدح الإنسان على أنه لا يقتل نفسه ولا يضربها ، ولا يمدح لأنه لم يقتل ملك الروم مع علمه بأنه سيمتنع من ذلك لو حاوله .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 396
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٩٦