فصل في أن من شرط المكلّف زوال الإلجاء عنه في فعل ما كلّف
اعلم أن الغرض بالتكليف التعريض لمنازل الثواب . فكل معنى أخرج المكلّف من أن يستحقّ بفعله المدح لم يجز أن يتناوله / التكليف . وقد صحّ في الشاهد أن الفاعل لما هو ملجأ إليه لا يستحقّ به المدح . وكذلك لا يستحقّ المدح إذا لم يفعل ما هو ملجأ إلى ألّا يفعله . فيجب ألّا يكلّف « 1 » ما هذا حاله . ويبيّن ذلك أن الإنسان لا يستحقّ المدح لأنه لم يقتل نفسه مع زوال الشبه ، ولا لأنه لم يستعط « 2 » بالخردل ولم يأكل الصبر مع زوال الحاجة ، وكذلك لا يستحقّ المدح على هر به من السبع ، فإذا ثبت أنه لا يستحقّ المدح عليه فبألّا يستحق به الثواب أولى ؛ لأن ما يطلب من الشروط في المدح يجب ثبوته في الثواب ؛ وقد يثبت في الثواب من الشروط ما لا يثبت في المدح .
والعلّة فيه ظاهرة . وذلك لأن المدح إنما يستحقه الفاعل بالفعل متى فعله لحسنه في عقله .
فأمّا إذا فعل الفعل لدفع المضرة أو لاجتلاب المنفعة الحاضرتين فإنه لا يستحقّ به المدح .
وما هو ملجأ إلى فعله إنما يفعله لمنافعه ومضارّه فيجب ألّا يستحق المدح ولا الثواب .
وأيضا فإن المدح إنما يستحقّه من له إلى فعل غير ما فعله داع فيؤثره عليه ، على تحمّل المشقّة فيه أو ما يجرى مجراه . وذلك لا يصحّ مع الإلجاء وكل ذلك يبيّن أنّ مع الإلجاء لا يحسن التكليف . فإذا يجب كون المكلف مخلّى بينه وبين الفعل متردّد الدواعي إلى الأفعال وخلافها .
وقد بينّا من قبل أن المنع لا يخرج القادر من كونه قادرا على فعل ما منع منه متى حصل له من الدواعي إلى الفعل ما يقوم مقام الشهوة والنفور / [ ومن ثم ] « 3 » حسن
هامش
( 1 ) الواجب : من هذا حاله ، ولكن ذهب به مذهب الصفة فاستعمل فيه ما .
( 2 ) الاستعاط : إدخال الدواء ونحوه في الأنف .
( 3 ) زيادة اقتضاها السياق .