فصل في أنه لا يجوز التكليف مع المنع من فعل ما كلّف
اعلم أن من شرط المكلّف أن يكون مخلّى بينه وبين فعل ما كلّف . ومتى كان هناك منع زالت التخلية وتعذّر الفعل لأجله فالتكليف قبيح . وقد بينّا من قبل أن تكليف من يتعذّر عليه فعل ما كلّف بأي وجه كان لا يحسن ، وأنه إنما لم يحسن تكليف ما لا يطاق لهذه العلّة . وقد علمنا أن الفعل يتعذّر مع المنع ؛ كما أنه يتعذّر مع العجز .
فيجب ألّا يحسن منه - تعالى - التكليف معه .
فإن قيل : جوزوا أن يكلفه - تعالى - بشرط زوال المنع ، وإن كان المنع قائما لم يحصل شرط التكليف ، فلا يوجب ذلك كونه مكلفا لما لا يطاق ، قيل له : إن القديم - تعالى - عالم بحال المكلف في وقت الفعل ، فإذا كان المعلوم أنه يمتنع / الفعل عليه لمنع يحصل كان بمنزلة أن يكون في المعلوم أن يكون عاجزا في تلك الحال ، فكما لا يحسن تكليف العاجز بالشرط الّذي قاله فكذلك تكليف الممنوع وإنما يصح الشرط فيمن لا يعلم حال المأمور ، فيشترط فيه ما يخرج به تكليفه من القبح إلى الحسن وذلك لا يصح فيه - تعالى - .
فإن قيل : إن لم يكن الممنوع مكلّفا فيجب ألّا يذمّ الواحد منّا على منعه غيره من صلاته ؛ لأنه لم يمنعه من فعل ما كلّف ، وانكشف بمنعه له أنه لم يكلّف أصلا ، فيصير مانعا له من فعل ما لم يكلّف ، ولا يستحقّ الذم بالمنع ممّا جرى هذا المجرى ، وإن استحقّ به الذمّ فليس يستحقّ إلا اليسير ، وليس كذلك حال المانع غيره من الصلاة .
قيل له : إن هذا المانع لمّا كان منعه هو المخرج للممنوع من أن يكون مكلّفا الصلاة ومنتفعا بأدائها صار مفوّتا له بهذا الفعل منفعة لولا فعله لأمكنه الوصول إليها ، فصار منعه له من هذا الوجه عظيما أوليس كذلك إذا منعه من فعل لولا منعه لم يدخل تحت