في الشاهد ؛ لأن الواحد منا إذا آلم غيره أو ألزمه الشاقّ فالحال واحدة في قبحه إذا عرى عن بدل ، وحسنه إذا ثبت فيه البدل . ولذلك أبطلنا قول أصحاب التناسخ « 1 » وغيرهم من حيث زعموا أن التكليف قد يدخل فيه الأمور السهلة . فإذا صحّ ذلك وعلم أن المشقّة بالفعل لا تحصل إلّا مع الشهوة ونفور الطبع فلا بدّ متى أراد تعالى تكليف المكلّف أن يجعله مشتهيا لأمور ، ونافر الطبع عن أمور ؛ كما أنه لا بد من أن يمكّنه ويكمّل عقله .
فإن قيل : ومن أين أنه لا يصير الفعل شاقّا إلا إذا كان نافر الطبع عنه ؟ أو لستم تجدون المشقّة تلحق بتحلحل « 2 » يلحق / الآلات عند المشي والتعب ؟ أو لستم تجدون المشقة تلحق بفقد المشتهى ؟ أو لستم تجدون الفعل قد يشقّ لضروب من الاعتقادات مع فقد الشهوة والنفور ؟
قيل له : إن التعب إذا لحق بالماشى « 3 » فلا بدّ من أن يكون نافر الطبع عما يحصل في أعصابه من الألم ؛ لأنه لا بدّ من حصول وهن في العضو وافتراق يحصل عنده الألم .
فإذا كان نافر الطبع عنه ألم به وشقّ عليه الفعل . ولذلك لا تلحقه مشقّة الأفعال إذا لم يحصل هذا المعنى . وليس لأحد أن يقول : فيجب إذا لم يحصل هذا المعنى ألّا يصحّ أن يكلّف الفعل ، وألا يستحق على هذا الوجه الثواب على يسير الحركات ويسير القول والعمل . وذلك لأن هذه الأفعال لا بدّ من أن يكون لها تدخّل في المشقّة ؛ لأنه إذا اجتمع مع غيره أثّر ما ذكرناه في الآلات من الافتراق أو غيره ، فصار من هذا الوجه له حظّ في المشقّة . ولم نقل : إن كل ما يكلّفه الإنسان يجب أن يألم به ، وأن يكون نافر الطبع عنه ؛ لأن نفور الطبع إنما يتعلّق بالمدركات دون الحركات وغيرها . وإنما أردنا بالمشقّة الألم وما يؤدّى إليه ويكون له حظّ فيه على بعض الوجوه ،
هامش
( 1 ) التناسخ عند القائلين به أن تحل الروح إذا فارقت البدن في جنين قابل للروح فتعيش به . وانظر كليات أبى البقاء 125 .
( 2 ) يقال : تحلحل : زال عن موضعه ، يريد التفكك والتقلقل .
( 3 ) في الأصل : « بالمشي » .