تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
ولذلك قلنا في الحركات إذا أدت إلى الملاذّ : إنه لا حظّ لها في المشقّة ، وإن كانت مثل الحركات التي تشقّ إذا أدّت إلى مضرة ؛ لأن الوجه في كونها شاقة إذا كان ما يؤدى إليه اختلف باختلافه . لكنه لمّا لم يصحّ معنى المشقّة في شيء من الأفعال إلّا مع نفور الطبع جعلناه شرطا وصار كأنه متعلّق / بالكل ، فأمّا فقد المشتهى فهو في حكم الشاقّ ؛ لما يحصل عنده من الغمّ والحسرة ، وإن لم يحصل هناك ألم . وليس يقدح ذلك فيما ذكرناه ؛ لأنا قلنا : إن الفعل لا يجوز أن يشقّ إلا مع نفور الطبع . وقد بيّنا ذلك والّذي سألت عنه في فقد المشتهى ليس بفعل على الحقيقة ، وإنما هو انتفاء ما يشتهيه ، لكنه يحلّ محلّ الشاقّ من الوجه الّذي بيّناه . وأمّا ما يلحق النفس من الإقدام على ما تعتقده ضارّا مؤلما فذلك أيضا ممّا يجرى مجرى الشاقّ لمكان نفور الطبع ؛ لأنه إنما يصحّ أن يعتقد فيه ما يشقّ لأجله متى حصل له العلم بما يشقّ في الحقيقة . فإذا تصوّر ما اعتقده بصورته حلّ عنده محلّ الشاقّ ولحقه مضض وغمّ . ولذلك صحّ دخوله تحت التكليف . لكن فقد المشتهى إنما يؤثّر ما ذكرناه متى حصلت الشهوة مع النفور ، فإذا حصل أحدهما فإن ذلك لا يصح ، وفي الوجهين الآخرين قد يصحّ مع المشقة وإن لم تحصل الشهوة وإن كان لا بدّ من حصولها من وجه آخر ، على ما سنبينه . فإن قيل : أفتقولون في جميع ما يكلّفه الإنسان : إنه لا بد من أن يحصل فيه معنى المشقّة ؟ قيل له : لا بد من أن يحصل فيه مشقّة أو في سببه أو فيما يتّصل به ممّا يصير وهو كالشئ الواحد إذا كان التكليف متناولا لفعله . لذلك قلنا : إن النظر لمّا كان شاقّا صار العلم المتولّد عنه بمنزلته ، فلذلك تناوله التكليف فاستحقّ به الثواب ؛ لأنه إذا / جاز ألّا يكون الشيء بانفراده شاقّا ، وإذا أدى إلى المشقّة دخل في الأمور الشاقّة ، وكذلك العلوم التي نفعلها عند ذكر النظر وإن لم يكن فيه المشقّة فلما اتّصلت بدفع الشّبه واستحضار