أن المجاز لا يقاس . فإذا لم يجب وصف سائر العلوم بالقبائح بذلك فبألّا يجب وصف الظن والاعتقاد بذلك أولى . وهذه التسمية وإن كانت بالصفة التي ذكرناها من حيث اللغة فلا يمتنع أن تكون حقيقة بالاصطلاح للجملة التي ذكرناها من العلوم ؛ لأن المتكلّمين قد جعلوها موضوعة لما ذكرناه ، وإن اختلفوا في العلوم التي بها يتكامل العقل ، واختلافهم في ذلك لا يؤثّر في اتفاقهم من أن ما عند كل واحد منهم أنه يصحّ معه التكليف نسمّيه عقلا . وأهل اللغة فليس يقصدون بذلك إلى العلم وإنما يفيدون به المنع وما يجرى مجراه ، وقع ذلك بالعلم أو غيره . فعلى هذا الوجه يجب أن يجرى هذا الباب .
فصل في أن المكلّف يجب أن يكون مشتهيا ونافر الطبع ليحسن أن يكلّف
اعلم أن الغرض بالتكليف هو تعريض المكلّف للثواب . ولا بدّ من أن يكون مستحقا بألّا يفعل الواجب ، وبأن يفعل القبيح العقاب ؛ لأن ما لا مضرّة عليه في ألّا يفعله لا يحسن إيجابه عليه على ما نبيّنه من بعد / فإذا صحّ ذلك وعلم أن ما لا مشقّة عليه فيه البتّة لا يستحقّ به الثواب فيجب ألّا يكلّف إلا ما هذا حاله . يدلّ على ذلك أنه قد تقرّر في العقل أن ما ينتفع به المرء لا يجوز أن يستحقّ به بدلا من المنافع . ولذلك لا يعدّ فاعله بغيره أو بنفسه مضرّا ظالما وإن لم يفعل سواه ، وإنما يستحقّ النفع على المضارّ وما يجرى مجراها . ولذلك متى فعله الإنسان بنفسه أو بغيره مفردا عن المنافع كان مضرّا ظالما . ولذلك يجب الانتصاف فيما هذا حاله دون الأول . ولذلك قلنا : إن الضرر المحض يقبح ؛ حتى إذا أدّى إلى منفعة أو دفع مضرّة يحسن . وكما يعتبر في حسنه ما ذكرناه ، فكذلك يجب أن يعتبر في حسن فعله بغيره ذلك . ولا فرق بين أن يفعل بغيره الآلام أو يلزمه الأمور الشاقّة في أنه إنما يحسن متى عرّضه به لبدل من المنافع . وهذا بين