تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
الصفة يكون بمنزلة من لا يعلم المدركات في الانتقصاص وإن كان اليسير من ذلك يخالف العظيم منه . فهذه الجملة إذا حصلت في الحىّ منا كان عاقلا ، وحسن منه - تعالى - تكليفه إذا تكاملت سائر شروطه . وإنما سمّيت هذه العلوم بأنها كمال عقل على جهة الاصطلاح ؛ من حيث كان التكليف يحسن عندها . ويصحّ منه النظر والاستدلال إذا حصلت له . فأمّا العقل فإنما يوصف بذلك لوجهين : أحدهما أنه يمنع من الإقدام عمّا تنزع إليه نفسه من الأمور المشتهاة المقبحة في عقله ، فشبّه هذا العلم بعقل الناقة المانع لها عما تشتهيه من التصرّف . والثاني أن معه تثبت سائر العلوم المتعلّقة بالفهم والاستدلال . فمن حيث اقتضى ثبات سائر العلوم المتعلقة بالفهم والاستدلال شبّه بعقال الناقة المقتضى لثباتها . ولذلك لم نصفه - تعالى - بأنه عاقل ، وإن علم كل ما يعلمه العاقل بل جميع المعلومات . فإن قال : فيجب ألا تصفوا من جملة هذه العلوم بهذه الصفة إلا العلم بقبح القبيح دون سائر العلوم ، وأن تصفوا العلم بقبح القبيح وإن كان مكتسبا بذلك ، وأن تصفوا المراهق بأنه عاقل إذا علم بعض المقبّحات ، وفساد ذلك أجمع يبطل ما ذكرتموه . قيل له : إن هذه التسمية على ما ذكرناه مجاز ليست بحقيقة ، ولا يجب [ في المجاز « 1 » ] الاطراد كوجوبه في الحقيقة . فلذلك لم يسمّ كلّ علم بقبيح بأنه عقل ، وإنما يخصّ بذلك العلوم الضرورية / وإنما وصفنا جميع العلوم بذلك لأن العلم بقبح القبيح لا يتمّ إلا به ، فصار بمنزلته من هذا الوجه ، فجعل الاسم اسما لجميعه ، والمراهق فليس يحصل له العلم بالمقبّحات ، وإنما يحصل ظانا بها . فلذلك لم يوصف بهذه الصفة . وليس لأحد أن يقول : يجب أن تصفوا الظنّ بقبح القبيح إذا صرف عن فعله كصرف العلم عنه بأنه عقل ؛ لأنا قد بينّا
هامش
( 1 ) زيادة اقتضاها السياق .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 386 | القاضي عبد الجبار الهمذاني