ومن جملة كمال العقل العلم بكثير من الدواعي ؛ لأن معرفة الألطاف لا تصحّ إلا معه . فمتى لم يعلم المضارّ والمنافع / وأن الضرر المحض يجب أن ينصرف عنه ، والنفع المحض يحسن منه الإقدام عليه لم يصحّ له مبادئ التكليف ، ولا سائر ما يبنى عليه ، ولا أن يفرق بين الإلجاء والتخلية ، وبين ما يجوز أن يتوجّه معه الذمّ والمدح إليه ، وبين ما يزول ذلك عنه . فهذا القدر ممّا لا بدّ لكل مكلّف منه .
واختلف شيخانا - رحمهما اللّه - فأمّا أبو عليّ - رحمه اللّه - يقول « 1 » : إن العلم « 2 » لمخبر الأخبار من كمال العقل كالعلم بالمدركات . وكثيرا ما يجرى شيخنا أبو هاشم - رحمه اللّه - الكلام في كتبه على هذا الوجه . وقال في بعض الإلهام : إن ذلك ليس من كمال العقل ، وإن العقل يكمل دونه ويصح التكليف مع عدمه . وبين أنه لو كان من كمال العقل لكان الخبر في أنه طريق العلم ؛ بالمخبر عنه كالإدراك ، فكان لا يحتاج إلى تكرره على السامع ليعلمه . فدلّ ذلك على أنه بالعادة وإن لم تختلف العادة في عدد المخبرين إذا تساوت أوصافهم .
ويجب على هذا القول أن يكون حفظ المدروس والعلم بالصنائع عند ممارستها بالعادة للحاجة فيها إلى التكرّر ؛ إلا أن ذلك وإن كان بالعادة فلا بدّ منه في التكليف السمعيّ ؛ خاصّة إذا كان المكلف غائبا عن الرسول أو موجودا بعد موته ؛ لأن بالخبر يصل إلى معرفة شرائعه وعلمه . ولا بدّ في كثير من التكليف الشرعي من الحفظ ليصح أن يؤدى ما كلّف أداءه ، إلى غير ذلك ، ويقوم بأداء ما كلّف على الوجه الّذي كلف . فأما ذكر الإنسان لأحواله السالفة وللأمور العظيمة إذا حدثت فمنزلة « 3 » استمراره / على العلم بالمدركات وإن تقضى الإدراك في أن ذلك من كمال العقل ؛ لأن من لم يكن بهذه
هامش
( 1 ) كذا والواجب : « فيقول » .
( 2 ) كذا . وكأن الأصل : علم المخبر بالأخبار .
( 3 ) كذا . وكأن الأصل : « فبمنزلة » .