تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
لأنه يعلم بعقله أن الموصوف إما أن يكون على صفة أوليس عليها ، ولا فرق بين أن تكون تلك الصفة الوجود أو غيره ، وإن كانت الصفات التي يعلم حصولها باضطرار أظهر في ذلك من غيرها . وهذا العلم فقد يحتاج إليه في العلم بأن الجسم محدث والأعراض محدثة في إبطال قول كثير من المخالفين من المجسّمة وغيرهم ؛ ألا ترى أنا نقول : لو كان - تعالى - جسما لوجب كونه محدثا ، وذلك يستحيل فيه من حيث ثبت قديما ، فلا بدّ من تقرّر هذا العلم ليصحّ أن يبنى عليه ما عداه . وكما يجب أن يعلم حال الأجسام على ما ذكرناه فكذلك يجب أن يعلم من حال الأحياء ما معه يتمّ الاستدلال / على تعلّق الأفعال بهم وعلى اختصاصهم بما هم عليه من الصفات . ولذلك أوجب أن يعلم مقاصد الغير ليصح أن يعلم وقوع التصرّف منه بحسب قصده . ولا بدّ من هذا العلم ليفصل بين من يصحّ الفعل منه ، ويتعذّر عليه ، مع ارتفاع الموانع باضطرار ؛ لأن هذا العلم متى لم يحصل لم يمكن الاستدلال على أحوال الفاعل . ومن كمال العقل أن يعرف بعض المقبّحات ، وبعض المحسّنات ، وبعض الواجبات ، فيعرف قبح الظلم وكفر النعمة والكذب الّذي لا نفع فيه ولا دفع ضرر ، ويعلم حسن الإحسان والتفضّل ، ويعلم وجوب شكر النعم ووجوب ردّ الوديعة عند المطالبة ، والإنصاف ، ويعلم حسن الذمّ على القبيح إذا لم يكن هناك منع ، وحسن الذمّ على الإخلال بالواجب مع ارتفاع الموانع . وإنما يجب حصول هذه العلوم ؛ لأنها لو لم تحصل لم يحصل للمكلف الخوف من ألّا يفعل النظر ، وابتداء التكليف متعلّق به ، ولأنه لا يصحّ منه العلم بالعدل إلا معه ؛ لأنه متى لم يعرف الفرق بين الحسن والقبيح لم يصحّ منه أن ينزّه القديم - تعالى - عن المقبّحات ، ويضيف إليه المحسّنات . وكثير من الألطاف والمصالح لا تتمّ إلا معه . ولا يصحّ أن يعلم سائر القبائح المكتسبة عقلا وسمعا إلا بأن تحصل هذه العلوم له فيقيس عليها غيره .