تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
والعلم بمقاصد الغير ممّا لا يحتاج إليه في هذه الطريقة ؛ لأنه - تعالى - لو خلقه في أرض فلاة وحده كان لا يمتنع أن يستدلّ على أحواله ، ثم على أحوال القديم - تعالى - وإن لم يعرف حال غيره . وإنّما يجب أن يعرف ذلك من احتذاء أحوال الغير ؛ لأنه لو لم يعرف ذلك لم تسلم له العلوم التي يحتاج إليها في الذمّ والمدح ؛ لأن لها تعلّقا بالمقاصد . ومن كمال العقل أن يعرف من حال المدركات التي هي الأجسام ما تحصل عليه : من كونها مجتمعة أو مفترقة ، ومن استحالة كونها في مكانين ؛ لأنّ « 1 » متى لم يعلم ذلك لم يسلم له من العلوم ما يجرى مجراها ، ولا يصحّ منه الاستدلال على إثبات الأعراض وحدوثها ، وحدوث الأجسام ، وتعلّق الفعل بالفاعل ؛ لأن كل ذلك يستند إلى هذا العلم . ولسنا نبعد ألّا يعلم من حال الأجسام الغائبة ما يعلمه من حال الحاضرة ، لكن إذا علم في الأجسام / الحاضرة استحالة كونها في مكانين أمكنه التوصّل بذلك إلى معرفة مساواة الغائبة لها . وكذلك إذا علم أنها لا يجوز أن تخلو من أن تكون مجتمعة أو مفترقة فيما يشاهده ، توصّل بذلك إلى أن ما عداه مثله ، فيتمّ الاستدلال على هذا الوجه ويسلّم على هذا جواز الخلاف في هذا الباب ؛ لأن أصحاب الهيولى يخالفون فيه ؛ لأن ما يسيرون إليه غائب غير حاضر . وكذلك فكثير من العامّة يعتقد في بعض الأجسام جواز كونه في مكانين من غير أن يشير إلى الأجسام الحاضرة وإن بعد ذلك عندنا ؛ لأنهم إنما يعتقدون فيه أنه ينتقل من مكان إلى مكان بعيد في يسير الأوقات أو يعتقدون أن ذلك في المقدور ، من غير حكم منهم بحصوله . وعلى هذا الحدّ يجب في العاقل أن يكون عالما بأن الجسم لا يجوز أن يكون قديما محدثا ، ولا الشيء موجودا معدوما . وهذه الطريقة يجب أن تستمرّ في سائر الصفات ؛
هامش
( 1 ) أي لأن الحال والشأن .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 383 | القاضي عبد الجبار الهمذاني