تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
فأمّا من قال : إن العقل آلة فإن أراد بذلك أنه جسم مختصّ بصفة على الحدّ الّذي تعقل الآلات عليه فقد بينا فساد ذلك بما تقدم . وإن أراد بذلك أنه يتوصل به إلى اكتساب العلوم والاستدلال بالأدلّة فذلك مما لا يمنع منه في المعنى ، وإن كان القائل به مخطئا في العبارة ؛ لأن الآلة من جهة التعارف في اللغة والاصطلاح لا تجرى إلّا على الأجسام ، وهذه العبارة وإن كانت بخلاف العرف فهي أقرب إلى أن يتسع بها في العقل من وصف العقل بأنه جوهر / . فأمّا من قال في العقل : إنه حاسّة فقوله يبطل بما قدّمناه ؛ لأن الحاسّة إنما يعبّر بها عن جسم مبنىّ بنية مخصوصة ؛ كبنية العين والأذن ؛ وذلك لا يصحّ في الأعراض . وإن أراد بذلك أنّ بالعقل يتوصّل إلى تحصيل العلوم عن النظر والاستدلال فيوصف لذلك بأنه حاسّة تشبيها له بالحواسّ التي تدرك بها الأمور ، وتعلم عند الإدراك ، فقد أصاب المعنى وأخطأ في اللفظ ؛ لأنهم لا يسمّون كل ما أدّى إلى العلم حاسّة ، وإنما يسمّى بذلك متى « 1 » ما أدرك به الشيء وحصل العلم عنده ، وإن كان حصول العلم عنده لا مدخل له في معنى التسمية ؛ لأنهم يصفون حاسّة البهيمة بذلك وإن لم تعلم عند الإدراك ما تدركه . فإن قال : أصفه بأنه حاسّة لأنه يدرك به المعلومات في الحقيقة ، فهذا يبطل لأن الدلالة قد دلت على ما بيناه في باب الرؤية أن كون الحىّ مدركا لا يرجع به إلى كونه عالما فقط ، وأنه يختص من حيث كان مدركا بحالة معقولة ، والعاقل لا يجد لنفسه حالة سوى كونه عالما بهذه المعلومات المخصوصة . ولا فرق بين من قال في العقل - والحال فيه ما وصفناه - إنه حاسّة ، وبين من قال في النظر : إنه حاسة .
هامش
( 1 ) كذا في الأصل . والأولى : « ما » .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 378 | القاضي عبد الجبار الهمذاني