تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
ولسنا نمتنع من وصف العقل بأنه جوهر إذا أريد بذلك أنه الأصل للعلوم ، وإن كان ذلك مخالفا للّغة وللاصطلاح . فإن أرادوا به هذا المعنى فقد أصابوا المعنى وأخطئوا اللفظ . وإن أرادوا أنه بصفة الجواهر فقد دللنا على خلافه . على أن العقل يوجب كون العاقل عاقلا ، ولا يجوز في الجواهر أن توجب المحالّ للجملة ، وإنما يصح ذلك في الأعراض الحالّة دون الجواهر ، وهذا يبطل ما قالوه . على أن العقل لو كان جوهرا وقد دلّ الدليل على تماثل الجواهر لم يخل من أن يكون إيجابه كون العاقل عاقلا لجنسه ولأنه قد جاور جسم العاقل واختص به ، أو أن يكون إيجابه ذلك لأمر سواه ، وقد علمنا أن ما أوجب الحكم لغيره فإيجابه ذلك يرجع إلى جنسه لا إلى سائر أوصافه ، وعلمنا أن الجوهر لا يجوز أن يختصّ بهذه الجملة إلا على جهة المجاورة فقط لاستحالة الحلول عليه . فإذا صحّ ذلك فلو أوجب هذا الجوهر كونه عاقلا لوجب كونه عاقلا بسائر « 1 » أبعاضه ؛ لأن الجنس قد حصل فيها ، وكذلك المجاورة والاتصال . وهذا يوجب كون العاقل هو العقل ؛ لأن العاقل هو الأبعاض المشار / إليها ، وهذا يتناقض . فإن قال : إنما يصير عاقلا بذلك الجوهر للطافته ، وسائر أبعاضه لا تشركه في ذلك ، قيل له : إن اللطافة إن أريد بها الرقّة المخالفة للكثافة فذلك عرض ، ولا يصحّ أن يوجب ذلك الجوهر كونه عاقلا لحلول هذا العرض فيه أو لانتفاء الكثافة عنه ؛ لأنا قد بينا أن إيجاب الشيء الصفة لغيره يجب أن يرجع إلى جنسه . وإن أريد باللطافة انفراد الجوهر عن غيره فذلك لا يصح مع القول بأنه يجب أن يكون متّصلا بجسم العاقل ؛ لأنه يتناقض ، ولأن انفراد الجوهر عن غيره لا يكسبه صفة لا يحصل عليها إذا كان متصلا بغيره ، فما يوجبه لجنسه يجب أن يوجبه في الحالين جميعا . وهذا يردّه إلى ما ألزمناه من أن العقل هو العاقل ، ويوجب أيضا كون جميع الناس متساوين في كونهم عقلاء ، والمعلوم خلافه .
هامش
( 1 ) في الأصل : « لسائر »