ما قلناه أنه متى حصل في الإنسان هذه العلوم المخصوصة حصل عاقلا وإن فقد غيرها . ومتى وجد فيه سواها ولم توجد هذه العلوم لم يكن عاقلا « 1 » . فعلمنا بأنها العقل دون غيرها . وبهذه الطريقة نعلم تغاير المعاني واختلافها ، وكون المعنى واحدا وإن اختلفت العبارات .
فإن قيل : جوّزوا أن العقل غير هذه العلوم ، وإن لم يجز أن ينفكّ أحدهما من الآخر . قيل له : إن كل غيرين فلا بدّ من أن يصحّ على بعض الوجوه وجود أحدهما مع عدم الآخر ، وإلّا التبس حالهما بحال المعنى الواحد . ولذلك قلنا : إن المحبّة هي الإرادة ، من حيث لا يصحّ كونه محبّا إلّا وهو مريد ، ولا يصحّ كونه مريدا للشئ إلّا وهو محبّ له .
فإن قال : إن العقل محتاج إلى هذه العلوم أو هو مضمّن الوجود بوجودها ، ولذلك لم يصحّ أن يخلو منها ، قيل له : إن المحتاج إلى الشيء قد يصحّ وجود المحتاج إليه دونه ، وإن لم يصح وجود المحتاج دون المحتاج إليه ؛ ألا ترى أن العلم وإن لم يصحّ وجوده إلا مع الحياة فقد يصح وجود الحياة دونه ، فكان يجب أن يصح وجود هذه العلوم ولا يحصل عاقلا ، فامتناع ذلك كامتناع وجود العقل « 2 » . . ولمّا تحصل « 3 » هذه العلوم .
وكذلك / القول فيما يحصل مضمّنا بغيره . أنه لا يجوز ألّا يخلو أحدهما من الآخر ؛ لأن الجوهر لمّا كان مضمّنا بالكون صح وجوده مع عدم كل جنس من الكون يشار ، إليه ، وصح أن يوجد مع الكون وضدّه . وكان يجب إن كان هذا حال العقل والعلم أن يصح وجود العقل مع هذه العلوم وضدّها ، وهذا محال .
هامش
( 1 ) في الأصل : « عالما » .
( 2 ) في الأصل : « الفعل » .
( 3 ) في الأصل : « حصلت » .