فإن قيل / إذا لم يكن الإدراك موجبا لهذه العلوم فهلّا جاز حصول بعضها دون بعض ؟ وإن كانت هذه العلوم من فعله - تعالى - فهلّا جاز أن يفعل فيه بعضها دون بعض ؟ وقد ذكرتم من قبل في هذا الكتاب أن العلم بالمدرك لا يحتاج فيه إلى كون العالم مدركا ، وأنه يصحّ منه - تعالى - أن يبتدئ فيه ذلك ؛ فكيف يصحّ مع هذا القول أن تقولوا في الإدراك : إنه طريق العلم مع جواز حصول هذا العلم مع فقد هذا الطريق ؟
قيل له : إن جواز حصول الشيء مع فقد غيره على بعض الوجوه لا يمنع من كون ذلك الشيء طريقا له : لأن نفس ما نفعله من العلوم عن نظر قد يجوز أن نفعله على بعض الوجوه مع فقده ، ولا يمنع ذلك كون النظر طريقا ، فكذلك القول في العلم بالمدرك :
أنه لا يجب خروج الإدراك من أن يكون طريقا له من حيث يصحّ من اللّه - تعالى - أن يفعله من دون أن يدرك المعلوم . وإن كان شيخنا أبو هاشم - رحمه اللّه - يمنع من ذلك ويجعل حصول العلم « 1 » بالمدرك أوّلا متعلّقا « 2 » بكونه مدركا ؛ كما يتعلّق العلم المكتسب أوّلا بالنظر ، وإن كان في الثاني قد يؤخذ على جهة الابتداء .
فإذا صحّ كون الإدراك طريقا للعلم على كلا القولين من حيث كان العلم يقوّى عليه ، ومن حيث لا يصحّ مع كونه مدركا أن يسهو عن المدرك ؛ كجواز سهوه عما يعلمه من غير هذا الوجه ، فيجب ألّا يجوز أن يعلم بعض المدركات دون بعض ، وأن يحصل بين هذه العلوم التعلّق الّذي ذكرنا إذا جمعها الإدراك ؛ كما أن النظر إذا حصل نظرا في طريق مخصوص لم يجز أن يحصل / العلم ببعضه دون بعض . ولذلك وجب فيمن ينظر فيعلم أن من صحّ منه الفعل قادر أن يعلم ذلك في كل من صحّ الفعل منه من غير اختصاص . والأولى على الأصول - وإن كانت ألفاظ الشيوخ في الكتب
هامش
( 1 ) في الأصل : « العلم » .
( 2 ) في الأصل : « متعلق »