وبعد ، فإنما يوصف الشيء بأنه حاسّة متى صحّ أن يحسّ به ، والعقل هو العلم ، ولا يجوز أن يحسّ بالعلم ، وإنما يعلم به الشيء على ما هو به . ولو كان العقل حاسّة كان لا يمتنع أن يكون عاقلا وإن لم يعلم المدركات والمحسّنات والمقبّحات ؛ كما يصح أن يدرك / الإنسان المبصرات وإن لم يعلمها .
وأمّا من قال في العقل : إنه قوّة « 1 » فإن أراد به أنه لولا ه لما صحّ الاستدلال والنظر على وجه يؤدّيان إلى العلوم فشبّهه من هذا الوجه بالقدرة التي يتمكّن بها من الفعل ، فهو مصيب في المعنى ، وإن وضع اللفظ في غير موضعه . وإن أراد أن العقل قدرة في الحقيقة وإن كان قدرة على العلوم التي تحصل للعاقل ، فيجب ألّا يمتنع أن يكون عاقلا وإن لم يحصل عالما بهذه المعلومات ، بل يجب في بعض الأوقات أن يكون كذلك لأن القدرة متقدّمة للفعل . وفي استحالة ذلك دلالة على فساد هذا القول .
وثبت بهذه الجملة أن العقل هو عبارة عن العلوم المخصوصة التي نذكرها في هذا الباب .
فإن قال : فما تلك العلوم ؟ أتقولون فيها : إنها علوم محصورة بعدد ، أو تحصر بالصفة دون العدد ، أو لا يصحّ حصرها أصلا ؟ قيل له : هي محصورة بالصفة « 2 » ، ولا معتبر فيها بعدد . والأصل في ذلك أن الغرض بالعقل ليس هو نفسه ، وإنما يراد يتوصل « 3 » به إلى اكتساب العلوم ، والقيام بما كلّف من الأفعال ، فلا بدّ من أن يحصل للعاقل من العلوم ما يصحّ معها أن يكتسب ما يلزمه من المعارف ، ويؤدّى ما وجب عليه من الأفعال ، وما تسلّم معه هذه العلوم . وما يكون أصلا لهذه العلوم ويجرى مجراه في الجلاء ؛ لأن العلوم يتعلّق بعضها ببعض لخلال منها أن « 4 » الطريق الواحد قد يجمعها .
هامش
( 1 ) يريد بالقوة القدرة .
( 2 ) في الأصل : « الصفة »
( 3 ) كذا ، والأصل : أن يتوصل . وبعض النحاة يجيز حذف ( أن ) في مثل هذا .
( 4 ) في الأصل : « لأن » .