فأمّا الفعل الّذي ليس بمحكم فالواجب أن يكون عالما به أيضا للوجهين الآخرين دون الوجه الأوّل ، وإن كان يبعد أن يكلّف الإنسان إيجاد الفعل في الجنس ؛ لأنه لا بدّ فيما يكلّفه من الأفعال أن يختصّ بصفة تقتضى فيه من جهة العقل كونه واجبا أو ندبا ، ومن جهة الشرع كونه كذلك على جهة المصلحة واللطف ، وذلك لا يقع إلا في فعل مخصوص وفي جملة من الأفعال إذا كان من أفعال الجوارح . فأمّا إذا كان من أفعال القلوب فلا يمتنع أن يكلّف الجزء منه لكنه لا بدّ من أن يكون عالما به ، ويكون في بابه بمنزلة الأفعال المحكمة من أفعال الجوارح ؛ لأنه إن كلّف الإرادة فلا بدّ من أن يكون عالما بها وبالمراد ، وإن كلّف النظر فكمثل . وإن كلف العلم عن نظر فقد بينّا أن العلم بالنظر يقوم / مقام العلم به من حيث يتولّد عنه . وإن كلف أن يفعله ابتداء فلا بدّ من أن يكون عالما لجنسه ، وإن لم يعلمه علما في الحال .
فإن قيل : ألستم تقولون في كثير من الأمور المتعلّقة بالتكليف : إن غلبة الظنّ فيه تقوم مقام العلم فهلّا قلتم : إن التكليف يصحّ مع الظنّ بالفعل وصفته ، وإن لم يكن المكلّف عالما بذلك ، قيل له : إن غلبة الظنّ إنما تقوم مقام العلم في طريق معرفة قبح الشيء وحسنه ووجوبه . فأمّا أن يقوم مقامه في العلم بحال الفعل فلا يصحّ .
يبيّن ذلك أن غلبة الظنّ في أن في الطريق سبعا تقوم مقام العلم بذلك ، والعلم بوجوب تجنّب سلوكه يجب أن يحصل في الحالين . ولم يجب من حيث قام غلبة الظنّ مقام العلم في طريق هذا العلم أن يقوم مقامه في نفسه ، فكذلك القول في سائر الأفعال .
ولهذا قلنا في الاجتهاديّات : إن غلبة الظن تتناول طريقة الشبه « 1 » ، وإن كان وجوب
هامش
( 1 ) هو المعروف بقياس الشبه ، وهو ما كان المناسب فيه - وهو الّذي يجمع بين الأصل والفرع - غير مناسب للحكم لذاته بل يوهم المناسبة بالالتفات إليه في بعض الأحكام . كما يقيس بعض الفقهاء إزالة النجس على طهارة الحدث في وجوب الماء ، والجامع بينهما أن كلا طهارة تراد للصلاة ، فكونها طهارة مرادة للصلاة ليس مناسبا لذاته لوجوب الماء ، ولكن لما أوجب الشارع الماء في طهارة الحدث أوهم ذلك هذه المناسبة . وانظر مسلم الثبوت وشرحه 2 / 301 .