تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
إلّا وقد أعطى الآلات أو مكّن منها قبل حال الفعل . وإنما يحتاج إلى آلة من الفعل يتعذّر إيجاده لولا ها ؛ كما يتعذّر إيجاد الفعل لولا القدرة السابقة فكما لا يحسن التكليف ولا قدرة / فكذلك لا يحسن تكليف ما ذكرناه ولا آلة . وقد بينّا أن المجبرة وإن خالفت في القدرة ، فهي غير مخالفة لنا في الآلة . وبينّا أن ما وافقوا فيه دلالة عليهم في الوجه الّذي خالفوا فيه . وبينّا وجه الاستدلال في ذلك في كتاب الاستطاعة ، فلا وجه لذكره الآن ، وبينّا هناك أن الآلات مختلفة الأحكام . فمنها ما يحتاج إليه في حال الفعل . ومنها ما يحتاج إليه من قبل . ومنها ما يحتاج إليه في الحالين ، وكشفنا القول في ذلك . وهذه الآلات على ضربين . أحدهما لا يقدر عليه إلا القديم - تعالى - فلا بدّ من أن يمكّنه بأن يعطيه ذلك . والآخر يصحّ من العبد أن يحصّله لنفسه بأن يقصد إلى الجسم فيحصّله على الصفة التي معها يكون آلة ؛ كالقوس وغيره ، فلا يمتنع أن يكلّفه - تعالى - الفعل ولا يعطيه الآلة ، بل يكلّفه أن يحصّلها لنفسه ؛ على ما نقوله في العلوم التي قد يصحّ أن يكون فيها ما لا يصحّ إلا من فعله - تعالى - ، ويكون فيها ما يصحّ من العاقل التوصّل إليه بالاستدلال . وبينّا من قبل أن الآلات لا تجوز على القديم - سبحانه - ، وأن أحدنا إنما يحتاج إليها لأمر يرجع إلى كونه محتاجا في الفعل إلى استعمال محلّ القدرة ، ويصير ذلك المحلّ كالآلة له . فلا يمتنع أن يجب كونه على صفات مخصوصة أو اتصال غيره به ليصحّ منه إيجاد الفعل به وفيه .

فصل في حاجة المكلف إلى العقل والعلم ليحسن تكليفه

/ اعلم أن المكلّف كما يحتاج أن يكون ممكّنا من إحداث الفعل بالقدرة والآلات ليصحّ منه إذا ما كلّف ، فكذلك يحتاج إلى أن يكون عالما بما كلّف وبصفاته ، والفصل بينه وبين غيره ؛ ليصحّ أن يقصد إلى إحداثه ، وليصحّ أن يعلم أنه قد أدّى