ليصحّ منه إيجاد الفعل على الوجه الّذي قد كلّف فإن قال : أفتقولون : إنه يجب أن يكون قادرا في حال ما أراد اللّه الفعل منه وأمره به ، أم توجبون كونه قادرا قبل حال الفعل ، قيل له : إنما يجب كونه قادرا في الحال التي يمكنه معها أن يوجد الفعل على الوجه الّذي كلّف ، ولا معتبر بما قبل من الأوقات ؛ كما لا معتبر بما بعده ؛ لأنه كما يستغنى عن القدرة بعد حال الفعل ؛ لأن تكليف الفعل زائل في تلك الأوقات ، فكذلك يستغنى عن القدرة في الأوقات المتقدّمة لحال الفعل ولما يلي حال الفعل .
فإن قيل : فهذا يوجب عليكم القول بأنه - سبحانه - يحسن منه أن يأمر اليوم بفعل يفعل بعد سنة ويريد ذلك ، وإن لم يكن المأمور في هذه الحال قادرا على فعله متمكّنا من إيجاده ؛ قيل له : كذلك نقول ؛ لأنا لا نعتبر في باب التمكين إلّا بالحال التي إذا كان قادرا فيها صحّ منه إيجاد الفعل في الحال التي كلّف إيجاده فيها . فإن قيل : فيجب / أن يجوز أن يريد - تعالى - الفعل من المعدوم والعاجز على هذا الحدّ ؛ لأنه إذا جاز في حال الأمر ألّا يكون قادرا جاز أن يكون عاجزا ومعدوما ؛ قيل له : كذلك نقول .
فإن قيل : فيلزمكم على هذا أن يكون - تعالى - مكلّفا للمعدوم ومخاطبا للمعدوم كما قلتم : إنه يكون آمرا للمعدوم ومريدا للفعل منه ؛ قيل له : إنّ العبارات لا مدخل لها فيما نريد بيانه من المعاني . وقد دللنا على أنه يجوز منه - سبحانه - أن يأمر في هذا بالفعل بعد سنة إذا علم أنه سيزيح علله ويصيّره بحيث يمكنه إيجاد الفعل على الوجه الّذي كلّف ، وبينّا أن ذلك إنما يحسن إذا كان هناك من يتحمّل الأمر ويؤدّيه إلى هذا المعدوم في الحال التي يجب أن يعلم ما أمر به ، ويكون في تحمّله لذلك مصلحة ، فأمّا وصفه - تعالى - بأنه كلّفه فمتى أريد به أنه أراد منه فعل ما عليه فيه كلفة ومشقّة فغير ممتنع إطلاقه . وقد بينّا أن هذا معنى التكليف ، وأنه لا معتبر بكون المكلّف في حال الإرادة ممكّنا ، وإنما يعتبر بكونه ممكّنا في حال الفعل . وإن أريد بوصفه - تعالى -
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 368
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٦٨