بأنه كلّفه أنه ألزمه الفعل الشاقّ في الثاني فيجب ألا يوصف بذلك المعدوم . والصحيح عندنا هو الوجه الأول ، وإن لم يبعد ألّا يطلق لما فيه من الإيهام .
فأمّا وصفه - تعالى - بأنه مخاطب للمعدوم فقد بيّن شيخنا أبو هاشم - رحمه اللّه - أن ذلك لا يطلق عليه ، حتى إذا وجد وصار ممّن يفهم منه الخطاب ويحسن منه المخاطبة وصف بذلك . قال - رحمه اللّه - : لأن وصفه - تعالى - بأنه خاطب يقتضي مفاعلة بين اثنين ، مثل وصفنا بالمقابلة والمحاذاة والمبايعة والمحاربة وغيرها / فلا يجوز أن يستعمل إلّا إذا كان هناك من يشاركه في المخاطبة . فأمّا إذا كان المخاطب معدوما ولا يصحّ منه الخطاب فغير جائز أن يوصف أمره بأنه خطاب . وبيّن أن هذه اللفظة تفيد المفاعلة من جهة المعنى ، وأنه مفارق لما هو مفاعلة من جهة اللفظ دون المعنى ؛ مثل طارقت « 1 » النعل إلى ما شاكله . وذلك يوجب ألّا يوصف أمره بأنه مخاطبة إلا إذا [ كان ] المكلّف بصفة مخصوصة ، ومتى كان ممّن يصحّ أن يجيب ويخاطب أيضا فإنما يوصف بأنه مخاطب متى وقعت منه المخاطبة ، وإذا لم يقع منه ذلك فوصفه بذلك إنما يصحّ من جهة التعارف لمّا كان ممّن يصحّ منه الجواب ويصير في الحكم كأنه مجيب .
فإن قيل : أفتقولون في كل فعل كلّفه الإنسان : إنه يجب أن يكون قادرا قبل حال الفعل بوقت واحد ، أو يختلف ذلك عندكم ؟ قيل له : أمّا إذا كان الفعل مباشرا فإنه يصح أن يكلّفه قبل حال الفعل بوقت واحد ؛ لأنه متى حصل قادرا في هذه الحال أمكنه إيجاده في الثاني . هذا إذا كان الفعل واحدا . فأمّا إذا كان أفعالا كثيرة فإن كانت تجتمع في حال واحدة فالحكم فيه ما ذكرناه . وإن كانت توجد حالا بعد حال على جهة التوالي فيجب كونه « 2 » قادرا على الجميع قبل وجود أولها . وأمّا إذا كان الفعل متولّدا فإن كان
هامش
( 1 ) أي جعل فيها رقعة وخصفها .
( 2 ) في الأصل : « كونها » .