المراد بالنطق التمييز - على ما تذكره الفلاسفة والنصارى في هذا الباب - فهذا مما لا يعرف في اللغة العربية ؛ والقوم إنما يذكرون هذا / الحدّ في هذه اللغة دون غيرها ، فيجب ألّا يعدلوا عن هذه العبارات المفهومة عندهم إلى غيرها .
فإن قيل : إن كان حدّ الإنسان ما ذكرتموه من البنية والصورة . فيجب متى حصلا في الجماد أن يكون إنسانا ، وهذا يعترض حدّكم ، قيل له : قد حكى شيخنا أبو هاشم عن الشيخ أبى عليّ - رحمهما اللّه - أنه أجاب إلى ذلك ، وقال : قد يكون إنسانا . وذكر عن نفسه أن الأولى ألّا يسمّى بذلك إلّا إذا كان فيه لحميّة . وقد ذكر هذا بعينه - شيخنا أبو عليّ - رحمه اللّه - في كتاب الإنسان . وهذا بيّن لا يعترض الحدّ الّذي قالوه ؛ لأنهم قصدوا بهذه التسمية إبانة صورة حىّ من صورة حىّ ، فيجب أن يدخل في الحدّ ما تقع به الإبانة ، وإن كان لا بدّ من أن يحصل الإنسان على صفة الحيوان ؛ كما أنهم قصدوا بقولهم : نخلة إبانة شجر من شجر . فلا يجوز أن يسمّى بهذا الاسم ما صوّر بصورة النخلة من طين ، بل يجب أن يكون كونه حيّا متقدما « 1 » ، ثم يذكر في الحدّ ما تقع به الإبانة .
وهذا كما نقوله في البلق « 2 » والبقع : إنهما وإن اشتركا في وجود السواد والبياض فيهما فلما كان المقصد إبانة حىّ من حىّ فيما وجد « 3 » فيه وجب تقدّم وجود السواد والبياض ثم تقع الإبانة بالجنس .
فإن قال : أفتقولون : إن أطراف الإنسان داخلة « 4 » تحت الاسم ؟ فإن قلتم بذلك لزمكم ألّا يكون إنسانا إذا قطعت أطرافه . وإن قلتم : ليست من الإنسان لزمكم القول بأن يد الإنسان غيره .
قيل له : إنها داخلة فيما تفيده هذه اللفظة ؛ لأنها تقع على هذه الجملة من غير
هامش
( 1 ) في الأصل : « متقدم » .
( 2 ) البلق : سواد وبياض في الدواب ، والبقع : سواد وبياض في الطيور والكلاب ، كما في القاموس .
( 3 ) كذا الظاهر : وجدا .
( 4 ) في الأصل : « داخل » .