وذكر شيخنا أبو علي - رحمه اللّه - أنه لا يجوز أن يحدّ الشيء إلّا بما هو عليه ، وقد عرفنا أن الإنسان في حال واحدة لا يجوز أن يكون حيّا مائتا ناطقا فكيف يصح تحديدهم بذلك . فإن قيل : لم يريدوا بذلك حصول هذه الصفات أجمع ، وإنما أرادوا بذلك صحّتها عليه . وأجاب - رحمه اللّه - عن ذلك بأنه قد كان يجب أن يثبتوه حتى يصير معنى هذا الحدّ أن الإنسان هو المختصّ بالصفة التي معها يصحّ عليه الحياة والموت والنطق . ومتى قالوا ذلك فقد عادوا إلى ما ذكرناه من البنية / .
وذكر شيخنا أبو هاشم - رحمه اللّه - أن الحدّ قد يجرى على وجوه . فقد يحدّ الشيء بصفة بمجرّدها لا بما تنبئ عنه ؛ نحو حدّى المحدث والقديم . وقد يحدّ بذكر صفة والمراد به ما تنبئ الصفة عنه دون غيره ؛ نحو تحديد القادر والحسن والقبيح . فإذا صحّ ذلك فلم يجز أن يصرف حدّ الإنسان إلى الوجه الأوّل ؛ لأن تلك الصفات لا تجتمع في الإنسان في حال واحدة ، فيجب أن يصرف إلى الوجه الثاني . وهذا يرجع في التحقيق إلى أن الإنسان هو المختصّ بالصفة التي لكونه عليها يصحّ أن يحيا ويموت وينطق ، وهذا إنما يتمّ متى بيّنوا تلك الصفة وأنها هي المقتضية لهذه الصفات ، وإن أرادوا بتلك الصفة البنية لم يتمّ ؛ لأن هذه الصفات لا تصحّ عليها لمكان البنية فقط ؛ لأنها تحصل في الجماد ولا يصحّ كونه حيّا ، فيجب أن يراد بذلك البنية والرطوبة وما شاكلهما .
وهذا يردّهم إلى أنهم قد أدخلوا في الحدّ ما شارك الإنسان فيه الحمار وغيره ، ولا يجوز أن يكون المقصد بالحدّ الموضوع للتفرقة الأمر الّذي تقع فيه المشاركة ، وهذا أحد ما يعتمد في هذا الباب ؛ لأنه إذا كان المقصد بتسمية الإنسان إنسانا الفرق بينه وبين الحمار وغيره من الحيوان لم يجز أن يفاد به ما يشترك الحيوان فيه ، بل يجب أن يفاد بذلك ما به يبين كلّ حىّ من غيره ، وهو الصورة والبنية على ما ذكرناه . وألزمهم ألّا يكون الأخرس إنسانا ؛ لأن النطق - وحاله تلك - لا يجوز عليه . فإن قالوا :
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 362
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٦٢