تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
فإن قال : يمكنني ذلك لأنهم أجروا هذا الاسم على هذه الصورة من حيث اعتقدوا أنها هي الفاعلة الحيّة ، والفاعل الحىّ معنى فيها دونها ، ولذلك صار مجازا ؛ قيل له : إنما كان يتمّ ذلك لو أفاد هذا الاسم كونه حيّا فعّالا ، وقد علمنا من حال أهل اللغة أنهم قد اعتقدوا في كثير من الحيوان أنه يفعل وأنه حىّ ولم يسمّوه إنسانا . وبعد ، فإنما كان يتمّ ما قلته لو ثبت أن الحىّ الفعّال هو شيء في الشخص ، وقد دللنا على خلافه ، فتعلّقك بذلك ساقط . ولا يمكنه أن يجرى هذه التسمية مجرى وصف الأصنام بأنها آلهة ، من حيث اعتقدوا فيها أن العبادة تحقّ لها . وذلك لأن أسماءهم تتبع الاعتقاد ، كان علما أو غير علم ، ولا تختلف فائدة الاسم بذلك ؛ ألا ترى أنهم إذا اعتقدوا أن في البيت زنجيّا فوصفوه بذلك لم يكونوا مخطئين في الاسم ، وإنما أخطئوا في الاعتقاد ، ولم يثبت عن أهل اللغة أنهم اعتقدوا في الإنسان أن فيه معنى يستحقّ هذا الاسم على بعض الوجوه ، ثم اعتقدوا في الشخص أنه بتلك الصفة ، بل لعلّه لم يخطر ببالهم ذلك ؛ لأن ما قاله الخصم لو كان معلوما لكان طريق معرفته الاستدلال / الخفىّ ، وما نقوله ظاهر يعلم بالمشاهدة ، ولا يصحّ صرف الأسماء الواقعة منهم عن الأمور الظاهرة إلى أمر يدّعى ممّا لو كان ثابتا لكان خفيّا . فإن قيل : هلّا قلتم : إن الإنسان إنما يوصف بذلك لأنه ينسى ويجوز عليه ذلك ، على ما حكى عن بعضهم في الأثر . قيل له : قد علمنا جواز السهو والنسيان على غير الإنسان من الأحياء ولم يوصفوا بذلك ، وهذا يبطل ما ذكره . والمعلوم أيضا من حال أهل اللغة أنهم قصدوا بهذه إبانة الشخص من شخص ولم يخطر ببالهم أمر النسيان ، وذلك يبطل ما ذكره ؛ ألا ترى أنهم فصلوا بقولهم : إنسان بينه وبين الحمار ، فكيف يصحّ أن يكون قصدهم بذلك ما يشتركان فيه .