فإن قيل : هلّا قلتم : إن حدّ الإنسان هو أنه حىّ مائت ناطق ، على ما حكى عن بعض المتقدمين ؟
قيل له : قد كان في أهل اللغة من لا يجوّز الإعادة على الأحياء وكان يصف الميت بأنه إنسان وإن لم تجر عليه الحياة والنطق ، سواء أرادوا بالنطق الكلام أو التمييز ، ولا يمكنهم دفع ما ادّعيناه ؛ لأنه كما يقال : إنسان حىّ فكذلك يقال : إنسان ميت .
وقد اعتمد شيخنا أبو هاشم - رحمه اللّه - في دفع ذلك بأن قال : قد ثبت عن كثير من العرب أنهم اعتقدوا إثبات الملائكة والجنّ وأن سبيلهما سبيل الإنس في جواز الموت والحياة والنطق عليهما ولم يسمّوهما بهذا الاسم . فلو كان حدّ الإنسان ما قالوه لوجب أن يجروه على كل ما فيه هذه الصفة عندهم ، علموا ذلك أو اعتقدوه ؛ لأنا قد بينّا / أن أسماءهم لا يجب أن تكون تابعة للعلوم فقط ، وليس يمكنهم القدح في ذلك بأن في العرب من نفى الجنّ والملائكة ؛ لأن استدلالنا يتمّ بإثبات بعضهم لهما ، كما يتمّ بإثبات الكلّ . وأبطل ذلك أيضا بأن قال : إنه لا يخلو هذا الحدّ من أن يقصد به ما عليه الإنسان من الصفات أو ما يبين به من غيره . فإن قصد به ما عليه من الصفات فقد اقتصروا على بعض صفاته ؛ لأن الإنسان كما يجب فيه أن يكون ممّن يجوز عليه الحياة والموت والنطق فيجب فيه أن يكون ممن له رأس ويكون على أوصاف ، فلم اقتصروا على ما ذكروه دون غيره . ولئن جاز اقتصارهم عليه فهلّا قالوا : إن الإنسان هو الحىّ الناطق ، وتركوا ذكر الصفة الأخرى ، أو هو المائت الناطق وتركوا ذكر ما عداه . وإن أرادوا بذلك ما به يبين من غيره فمعلوم من حاله أنه لا يبين بكونه حيّا مائتا ، لأن الحمار شاركه في ذلك ، فكان يجب أن يذكروا النطق « 1 » . وكل ذلك يبين فساد ما ذكروه وأن الواجب أن يرجع في التحديد إلى ما ذكرناه .
هامش
( 1 ) أي يذكروه فقط ويقتصروا في الحد عليه .