تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
وعلى أن الأمر على ما قلناه لم يكن لإضافة الرزق إلى أنه من قبل اللّه وجه ؛ لأنه إن كان كل ما « 1 » تمكن منه المرء هو رزقه حراما كان أو حلالا ، فعلى أي وجه يضاف إلى اللّه تعالى . فإن قال : لأنه خلقه على صفة ينتفع به ، قيل له : أليس قد قال تعالى
( وَنَزَّلْنا
« 2 »
مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً )
إلى قوله
( رِزْقاً لِلْعِبادِ )
فبين أنه أنزله رزقا لهم ، ولو كان رزقا لهم متى أنزل الماء فأنبت الحبّ ، قصد به أن يخلقه لأجلهم أو « 3 » إن لم يقصد ذلك لم يكن لهذا القول معنى . وقد ثبت أيضا بإجماع الأمّة أنه يحسن من الإنسان طلب الرزق لنفسه وعياله . وقوله تعالى
( وَابْتَغُوا
« 4 »
مِنْ فَضْلِ اللَّهِ )
. وقوله
( وَآخَرُونَ
« 5 »
يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ )
يصدق ما قلناه . فلو كان الحرام رزقا لمن تمكن منه لوجب أن يكون مأمورا بطلبه ، أو مباحا له طلبه ، وبطلان ذلك يبين أنه ليس برزق لمن تناوله . وبعد فكيف يجوز أن يكون تعالى قد جعله رزقا للسارق ، ويأمر المسروق منه أن ينزعه من يده ، ويأمر الإمام بقطع يده ؛ من حيث تناوله ، ويأمر الناس بلعنه والبراءة منه . وقوله تعالى :
( قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قُلْ / آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ
« 6 »
)
يدلّ على ما قلناه ؛ لأنه ذمّ تعالى من سوّى بين الحرام والحلال في هذا الوجه . وقوله سبحانه
( قَدْ
« 7 »
خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ )
يدلّ على ذلك ؛ لأنه تعالى ذمهم بأن حرّموا ما رزقهم اللّه ، ولو كان كونه رزقا لا ينافي كونه محرما ولا يمنع منه لكان تحريمهم له كتحليله .
هامش
( 1 ) في الأصل : مما » . ( 2 ) الآية 9 - 11 سورة ق . ( 3 ) في الأصل : « إن » . ( 4 ) الآية 10 سورة الجمعة . ( 5 ) الآية 20 سورة المزمل . ( 6 ) الآية 59 سورة يونس . ( 7 ) الآية 140 سورة الأنعام .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 36 | القاضي عبد الجبار الهمذاني