الفعل واستعمال الآلات ؛ وذلك لا يصحّ إلا والقادر جسم . ويبيّن ذلك أنا نعلم من أنفسنا ما نختصّ به من كوننا مريدين ومعتقدين ضرورة ، ولا نعلم الحياة ضرورة أصلا ، وما لا يعلم باضطرار بألّا تعلم صفته باضطرار أولى . فلو كان الحىّ هو العرض لم يصحّ أن يعلم القاصد النية باضطرار البتّة ، وكل ذلك يبطل ما قاله القوم .
وأما قول الشيخ أبى الهذيل / - رحمه اللّه - في الحياة : إنها يجوز أن تكون عرضا ، ويجوز أن تكون جسما ، فالمراد عندنا أنه ذهب إلى أن الحىّ لا يكون حيّا إلا بعرض يحلّه وبروح تحصل فيه ، وسمّاها جميعا حياة . ولهذا قال : إن الحياة يجوز أن تكون عرضا ، ويجوز أن تكون جسما ، وهذا خلاف في عبارة ؛ لأن الروح عبارة عن النفس المتردّد في مخارق الإنسان ، ولذلك وصفها اللّه - تعالى - بالنفث « 1 » والنفخ ، وذلك من صفات الأجسام الدقيقة ، وقد ثبت فيما هذا حاله أنه لا يجوز أن يوجب لغيره حالا ؛ لأن المجاور لا يختصّ بما جاوره اختصاص العلّة بالمعلول ، ولأنه لو أوجب كونه حيّا لأوجبه لجنسه فكان غير الروح من الأجسام بمنزلة الروح في إيجابه كونه حيّا ؛ لأن الجواهر متماثلة ، وبطلان ذلك يبين فساد من قال بهذا القول . فأمّا إذا جعل الموجب لكونه حيّا العرض الحالّ وعبّر عن الروح بأنها حياة من حيث لا يكون حيّا إلا معها فإنما خالف في عبارة ؛ لأن المعنى الّذي قصده ممّا نقول به . وإنما وجب ما ذكرناه من جهة العبارة ؛ لأن الحياة عبارة عن المعنى الّذي به صار حيّا ، ولم يصر حيّا بالروح كما لم يصر حيّا بالدم والبنية ، وإن احتيج إليهما جميعا .
هامش
( 1 ) في الأصل في غير وضوح : « بالنفس » والظاهر ما أثبتنا . والنفث : النفخ .