الحىّ كما لا يصحّ أن يدرك ويفعل إلا مع كون الروح في المخارق « 1 » فكذلك لا يصحّ أن يفعل إلا وهذا الجسد الظاهر على ما هو عليه من البنية ؛ لأن تفريق عنقه وتوسيط جسده يخرجه من كونه حيّا ؛ كما أن إخراج روحه يخرجه من كونه حيّا . وإذا كان لا بدّ في كونه حيّا من كلا الأمرين فلم قال : إن الحىّ هو الروح دون الجسد ، وبم ينفصل ممّن قال : إنه الجسد دون الروح . بل يلزمه على ذلك أن يكون الحىّ هو الدم دون الروح والجسد ؛ لأن نزفه عن البدن يخرجه من كونه حيّا . وقد تقصّينا ما يبطل هذا القول من قبل .
الكلام على من قال : إن الحىّ هو الجسم والروح جميعا
قد حكينا عن بشر بن المعتمر هذا القول . وعن هشام بن عمرو أنه كان يجعل كل عرض لا يكون الإنسان إنسانا إلا بها « 2 » من أحد قسمي الإنسان / وقد حكى عن بعضهم أن الروح هي الحياة . وعن بعضهم خلاف ذلك . وحكى عن أبي الهذيل - رحمه اللّه - في الحياة أنها يجوز أن تكون عرضا ، ويجوز أن تكون جسما .
واعلم أن الّذي يدخل في جملة الحىّ هو ما حلّه الحياة دون غيره . ولذلك قلنا : إن الشعر والعظم والدم ليست من جملة الحىّ ، من حيث علم من حالها أن الحياة لا تحلّها ، وإنما تعلم التفرقة بين ما تحلّه الحياة وبين ما لا تحلّه بالإدراك ؛ لأن الحياة ؛ إذا كان لا بدّ من أن تختصّ لجنسها بحكم تبين به من غيرها من الأعراض ، وكان لا حكم بفعل لها تبين به إلّا صحة الإدراك بها ، فيجب أن نحكم في كل محل صحّ أن ندرك به الحرارة والبرودة والألم أن فيه حياة ، ونقضي على كل محلّ لا يتأتّى ذلك به أنه لا حياة فيه ،
هامش
( 1 ) يريد بها منافذ الجسم كالعين والأنف .
( 2 ) كذا ، والعرض مذكر ، وأراد به الصفة .