وإنما جعلنا علامة وجود الحياة في المحلّ هذا دون سائر الإدراكات لأنها « 1 » تحتاج إلى بنية مخصوصة كالرؤية والسمع وإدراك الرائحة والطعم ، فلا يمتنع في ذلك الإدراك إذا انتفى أن يقال : إنما انتفى لانتفاء البنية لا لانتفاء الحياة ، وليس كذلك إدراك الحرارة والألم ؛ لأنه لا يحتاج فيهما إلّا إلى محلّ الحياة ؛ فوجب لذلك أن يحكم بثبوت الحياة عند صحّتهما وبانتفائه عند انتفائهما . وإذا صحّ ذلك وعلمنا أن الروح هو النفس المتردّد وأنه لا يدرك به كما لا يدرك بالشعر فيجب أن يحكم بأنه لا حياة فيها على وجه من الوجوه ، وإذا لم يكن فيه حياة لم يصحّ أن يعدّ من جملة الحىّ ؛ كما لا يصحّ أن يعدّ من جملة الحىّ ما يلتزق بجسمه من الأجسام . ولو جعلنا علامة كون الشيء من جملة الحىّ الاتصال لوجب لو خلق - تعالى - بين الإنسان والجبل اتصالا أن يكون من جملة الحىّ ، ولوجب أن يستحيل اتصال حىّ بحىّ لأنه كان لا يكون أحدهما بأن يكون من جملة الآخر أولى من أن يكون الآخر من / جملته ، ولأن المستفاد بقولنا في الشيء : إنه من جملة الحىّ أنه ، يلحقه بصفة الحىّ وما يصحّ في الحىّ من حيث كان حيّا . وإذا صحّ ذلك فقول القائل في الشيء : إنه من جملة الحىّ ولا يثبت فيه هذا الحكم خلاف في عبارة لا وجه للمضايقة فيها . فإن قال :
إنما قلت : إن الروح من جملته لأنه لولاه ولولا بنيته لم يكن حيّا ، قيل له : إنه لا يجب أن يدخل تحت الاسم ما لولاه لم يحصل الاسم ، ألا ترى أنه لولا الحركة لم يوصف المحلّ بأنه متحرّك ، ولا يجب أن تكون الحركة داخلة في الاسم حتى يكون قولنا : متحرّك يفيده ويفيد الحركة . فإن قال : إني مخالف في الأمرين جميعا ، قيل له : إن ذلك يؤدى إلى أن يكون الإنسان إذا شتم الحىّ وذمّه ومدحه فقد ذمّ البنية والروح والدم ، وإذا ضرب الحىّ أن يكون ضاربا للجسم والعرض ، وإذا عبد الخالق وقصد ذلك أن يكون قد
هامش
( 1 ) أي سائر الإدراكات ، أي غير إدراك الحرارة والبرودة والألم .