فرأى أن ذلك يردّه في الإنسان إلى مثل مذهبنا ، فقال : إنها حيّة تحسّ وتألم ، ولا يجوز وجود القدرة إلا في الروح الّذي في البدن . وهذا في نهاية الفساد ؛ لأنها أجمع « 1 » إذا صحّ أن تحس وتألم فما الّذي يمنع من حلول القدرة في جميعها ؟ فإن قال : لأن روح القلب تختصّ بصفة بها تفارق سائر الأرواح ، قيل له : وما الّذي يمنع في سائرها أن تشاركها في تلك الصفة فتصير كلها قادرة ؟ وإنما صحّ له القول بأن القلب يختص بصحة حلول أفعال فيه دون الجوارح لحاجتها إلى بنية مخصوصة . ونقول مع ذلك : إن سائر الجوارح لو بنى كبنيتها لوجب صحّة وجود هذه الأفعال فيه ؛ فليس لأحد أن يعترض بذلك ما ألزمناهم .
فإن قال : إذا ثبت أن الروح متى زالت من ناحية القلب بطل التصرّف والتدبير ، وإذا كانت هناك صحّ التصرّف والتدبير علمت أن الحىّ القادر هو ذلك الروح ، قيل له :
إن التصرّف قد يبطل أيضا بتفريق بنية العنق وبنزف الدم كله . فإن دل ما ذكرته على أن الروح هي القدرة القادرة فيجب أن يدلّ ما قلناه على أن الحىّ القادر هو الدم وأجزاء العنق . وإنما صحّ ما قاله لأن الحىّ إذا كان حيّا بحياة يحتاج إلى كون الروح بهذه المنافذ ؛ كما يحتاج إلى البنية والدم ، فلذلك يخرج من كونه حيّا بفقد هذه الأمور . وما ألزمناه من قال : إن الحىّ لا يوصف بمكان : من أنه يجب ألا يمكن / على هذا القول إثبات حىّ مدبر في العالم يلزم القائل بهذا القول . وذلك أنه متى جوز أن يكون التصرّف الواقع في جوارح الإنسان وأعضائه لا تعلّق له بالجملة ، وإنما يتعلّق بمعنى في القلب ، وإن لم يكن القول بأن ذلك المعنى يجذب هذه الأعضاء ويدفعها فما الّذي يمنع من القول بأن المدبّر لهذا الجسد لا تعلّق له به البتة ، ويكون مسخّرا له ومدبّرا ؛ على أنه إن جاز أن يقال : إن الحىّ هو روح في القلب ، من حيث كانت الإرادة تحلّ القلب دون غيره ، فهلّا جاز أن يقال : إن كل طرف من أطرافه فيه حىّ لأنه يصح أن يبتدئ فيه الفعل ، ولو لم يكن فيه حىّ لم يصحّ
هامش
( 1 ) كذا . والصواب : جمعاء .