ذلك ؛ لأنه كما ثبت أن إرادة الشيء تقع بحسب الدواعي فكذلك قد ثبت أن ابتداء الفعل لا يقع إلا من قادر حىّ . فمتى تطرّق بأحد الأمرين إلى إثبات حي صحّ أن يتطرّق بالآخر إلى إثباته . وهذا يوجب القول بأن في كل طرف من أطراف الإنسان ( حيّا « 1 » قادرا ) ، ويوجب ذلك كون هذه الجملة أحياء كثيرة . وذلك يمنع من وقوع تصرّفها بحسب قصد واحد وإدراك واحد .
الكلام على من قال : إن الفاعل القادر المدرك هو الروح دون الجسد ، وإن الجسد موات
اعلم أن الّذي قدّمناه من قبل يبطل هذا القول ؛ لأنا قد دللنا على أن كل محلّ ندرك به الحرارة والبرودة والألم يجب أن يكون فيه حياة ، ودللنا على أن كل جزء فيه حياته ، فيجب كونه من جملة الحىّ وبينا أن الحىّ هو القادر المدرك ، وأنه - وإن كان أجزاء كثيرة - في حكم الشيء / الواحد من حيث كان حيّا واحدا وقادرا واحدا . فذلك يبطل قوله : إن الجسد موات ؛ لأن هذه تفيد انتفاء الحسّ والإدراك ، وإذا دللنا على ثبوتهما في أجزاء الجسد فقد بطل ما قاله . وإذا ثبت أن الروح من قبيل النفس والريح ، وأن ما اختص بهذه الصفة لا تحلّه الحياة وإن كان الحىّ بحياة يحتاج إلى كونه في البدن فقد بطل ما قاله : من أن الحىّ هو الروح .
وبعد ، فإن هذا القائل لا يخلو من أن يريد بما ذكره من الروح النفس « 2 » المتردّد ، أو يريد بذلك ما يحكى عن النظّام - رحمة اللّه - في الإنسان . فإن أراد الأول فقد بيّنا فساده . وإن أراد الوجه الثاني فسنفرد فيه الكلام من بعد . وقد بينا من قبل أن
هامش
( 1 ) في الأصل : « حي قادر » .
( 2 ) في الأصل : « والنفس » .