على أنه لا يخلو من أن يقول : إن الروح الّذي أشار إليه جزء واحد أو أجزاء كثيرة ، فإن كان جزءا واحدا لم يصحّ أن يوصف بهذه الصفة من جهة اللغة ؛ لأنها من صفات الجمل دون الآحاد . ويبطل بسائر ما قدّمناه في الباب قبل هذا . وإن كان أجزاء كثيرة ، وجاز أن تكون مريدة واحدة فما الّذي يمنع من كون هذا الشخص مريدا واحدا وإن كان أجزاء كثيرة ؟ وهل هذا القول « 1 » إلا عدول عما يعقل إلى ما لا يعقل ، وصرف ما يعلم من الصفات إلى ما يشكّ في ثباته أصلا ؛ لأن العلم بأن في القلب روحا لا يصحّ ادّعاؤه باضطرار ولا استدلال ، والعلم بما نجد أنفسنا عليه من الأحوال ضرورىّ ، فكيف نصرف ذلك إلى أن المختصّ بها ما نشكّ في ثباته ووجوده .
وقد بيّن شيخنا أبو علي - رحمه اللّه - فساد هذا القول بأنه ليس بأن يجعل الحىّ هو روح في القلب من حيث كانت تمسك بإمساكه وتقدم بإقدامه بأولى من أن يجعل الحىّ هو العين « 2 » ؛ لأن سائر الأعضاء قد تقدم بإقدامها وتمسك بإمساكها ؛ لأنه كما يتصرّف بحسب إرادة قلبه فقد يتصرّف بحسب إدراك عينه ، وقد يدعوه الإدراك إلى الأفعال ؛ كما يدعوه العلم إلى الفعل ، بل لو قيل : إن الإرادة لا تكون داعية أصلا لأنها تتبع المراد ، فما دعا إليه يدعو إليها - على ما بينّاه في باب الإرادة - لكان أقرب . وذلك يقتضي أن قول من قال : إن الإنسان هو الحواس أقرب إلى الشبهة من هذا القول .
والّذي دعا ابن الراوندي إلى القول بأن في البدن كله أرواحا حيّة ما أورده شيوخنا :
من أنه كان / يجب ألا يألم بما يحدث في سائر جسمه ، وإنما يألم إذا حدث الألم في القلب ، فأدّاه ذلك إلى أن قال بهذا القول . وألزم على ذلك أن تكون هذه الأرواح كلها قادرة ،
هامش
( 1 ) في الأصل ؛ « إلا لقول » .
( 2 ) في الأصل : « الغير » .