أصلا ، على ما يقوله جهم « 1 » ؛ ألا ترى أنا نبطل قوله بأن الإنسان يفصل بين الحركة الضرورية وبين غيرها ، فكذلك نقول لمن خالفنا / في هذا المذهب ؛ على أنه كان يجب ألّا يذمّ الإنسان على ما يبتدئه الواحد منا من الكلام في لسانه ، وعلى ما يبتدئه من الحركة في أطراف أنامله ؛ لأن هذه الأفعال واقعة على سبيل الاضطرار ، وكان يجب ألّا تقع الأفعال بحسب الإدراك بالعين لأن العين غير القلب ، فلم صاروا بأن يقولوا : إن الحىّ هو القلب لأنه محلّ للإرادة بأولى من أن يجعل الحىّ حاسّة العين [ و ] سائر الحواسّ لأنها محالّ للإدراك ، أو بها يصحّ كونه مدركا .
الكلام على من قال : إن الحىّ هو روح في القلب
قد حكينا من قبل عن الأسوارىّ أن الإنسان هو ما في القلب من الروح ، وعن ابن الراونديّ أنه شيء واحد في الحقيقة ، هو في القلب ، وعنه أنه قال : في البدن أرواح حيّة تحسّ وتألم ، لكن القدرة توجد في الروح التي في القلب ، ولذلك يختص البدن بالتسخير دون القلب ، فلا يقدم إلا بإقدام القلب ، ولا يمسك إلّا بإمساكه . وما قدّمناه من الأدلّة يبطل هذا القول ؛ لأنه لا فرق بين القول بأنه جزء من القلب وبين القول بأنه روح في القلب . وما قدمناه يأتي على القولين جميعا .
وبعد ، فإن الروح لا بدّ من أن يبين من الجسد بصفة ؛ لأنه إن لم يختصّ بالرقّة لم يكن روحا ، وإنما يوصف بذلك متى حصل في الحىّ ، وإلّا فهو من جنس الريح والنفس المردّد ، وما هذا حاله يستحيل كونه حيّا قادرا أصلا ؛ لأن الحياة تحتاج إلى رطوبة وبنية ، وذلك لا يوجد في الروح ، فلذلك قلنا : إن الروح كالدم في أن الحياة تحتاج إليها ، وليست من جملة / الحىّ ، فكيف يصحّ أن يجعل الحىّ هو الروح ، ولم يثبت أنه مما يصحّ أن يكون حيّا مريدا أصلا .
هامش
( 1 ) هو جهم بن صفوان الراسبي ، كانت وفاته سنة 128 .