تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
طلب العلم بما لا نعلمه ينافي وجوب كونه عالما بكل معلوم . ومن الطريف أن أبا إسحاق النظّام - رحمه اللّه - يقول في النظر : إنه يولّد ، وقد نقض ذلك عليه أبو عثمان « 1 » - رحمه اللّه - ؛ لأنه يقول : إنّ عند النظر يحصل العلم بالطبع ، فكيف يتمّ له مع ذلك أن يقول في الواحد منا : إنه عالم لنفسه . وبعد ، فإن الّذي دعا كثيرا من المخالفين إلى القول بأن الإنسان حىّ لنفسه ظنّهم أنه لا يجوز في الأجزاء الكثيرة أن تصير حيّة واحدة ، ألّا يجوز أن يجتمع ما ليس بحىّ وما ليس بحىّ ، فيصيران « 2 » حيّا . وهذا لا يتمّ إلّا لمن يقول في الإنسان : إنه معنى واحد لا يجوز أن ينقسم ويتبعّض . فأمّا هو « 3 » - رحمه اللّه - فإنه يجعل الإنسان روحا بسيطا منبثّا في هذا الشخص ، فكيف يصحّ له التعلّق بما تعلّق به القوم ، وكل ما يلزمنا على ما نذهب إليه فهو لازم له ، وما به ننفصل ممّا ذكرناه ومن غيره من الأسولة يلزمه الانفصال به أو بما يقاربه ، على أن من قال [ في ] « 4 » الإنسان بهذه المقالة لم ينفصل من النصارى إذ « 5 » قالت بالاتّحاد ؛ لأنهم يقولون : لمّا ظهر من عيسى الفعل الإلهي وجب أن يكون الإله فيه ، ولولا ذلك لم يكن ليصحّ ظهور ذلك منه . فإذا قيل لهم : فعلى أىّ وجه حصل الإله في جسمه ، قالوا : لا على وجه الحلول ولا على وجه المجاورة ولا يوصف بمكان ولا بأنه يتحرك . وهذه الطريقة بعينها لازمة لمن قال في الإنسان بهذا القول ، بل هذه المقالة أقرب إلى الفساد / ؛ لأنهم يثبتون الإنسان غير معقول أصلا ، ويثبتونه مع ذلك مدبّرا لهذا الجسد على وجه لا يعقل ، والنصارى لم تثبت إلّا جسدا معقولا وإلها معلوما بصفاته التي يختصّ بها ، وإنما قضت فيه باتّحاد لا يعقل ، فقد تبينت أن أهل هذه المقالة يلزمهم القول بالتجاهل من وجهين ، والنصارى من جهة واحدة .
هامش
( 1 ) هو الجاحظ عمرو بن بحر . ( 2 ) كذا في الأصل : والأولى : « فيصيرا » . ( 3 ) كأنه يريد معمرا . ( 4 ) زيادة يقتضيها السياق . ( 5 ) في الأصل : « إذا » .