جنده رزقا ، وقبضوا أرزاقهم ، وفصلوا بذلك بين هبة الملك وعطيّته ؛ لما كان ذلك يقع على ترتيب ، ولمّا كان ما أعطاه تعالى العباد هو على مقدار مرتّب قيل بأنه رزق لهم .
والّذي حكيناه في حدّ الرزق هو أولى ، لأن أهل اللغة لا يعتبرون فيما يكون رزقا له إلّا بأن يحلّ له الانتفاع به على أىّ وجه وصل إليه وصار في ملكه . ألا ترى أنهم يستعملون هذه اللفظة فيما أبيح له تناوله وإن لم يعتقدوه وأصلا من جهة غيره ، أو لم يعلم الوجه الّذي عليه وصل إليه . ولا معتبر بتعارف مخصوص في هذا الباب ، لأنه لا يمتنع أن يتعارف استعمالها فيما يحصل من جهة العباد إذا كان على وجه دون وجه ؛ كما يقال في رزق الجند . وذلك لا يزيل ما ذكرناه في اللغة عن بابه ، كما أنهم لا يصفون الرزق الّذي يعطيه « 1 » الجند بأنه عطاء أو نفقة وصلة ، ويصفون غيره بذلك وإن كان في الحقيقة صلة منه وعطيّة ، وكانت النفقة التي يعطيهم إياها كالرزق في أنهم يستحقّونها بعملهم أو تجرى / مجرى المستحقّ في هذا الباب . وفي الناس من ظنّ أن الرزق إنما يوصف به المأكول والمشروب دون غيرهما ؛ من حيث قال تعالى
(
« 2 »
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ )
فإنه لمّا فصل بين الرزق والكسوة علم أن الرزق هو المأكول دون غيره . وهذا بعيد ؛ لأن المتعارف في اللغة والتعارف أن الإنسان يقول : قد رزق فلان ولدا ودارا وضيعة ، كما يقال : رزق مأكولا واسعا ونباتا كثيرا .
فعلم أن الرزق علم في كل ما ينتفع به ، ويحلّ ذلك فيه ، على ما قدمناه من قبل . ولا يجب إذا أفرد تعالى الكسوة بالذكر ألّا يكون داخلا في الرزق ؛ كما لا يجب إذا أفرد تعالى الإحسان بالذكر في قوله :
( إِنَّ
« 3 »
اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ )
ألّا يكون داخلا في
هامش
( 1 ) أي يعطيه السلطان ، وقد يكون الأصل : يعطاه الجند .
( 2 ) الآية 5 سورة النساء .
( 3 ) الآية 90 سورة النحل .