تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
فيجب أن تكون رزقا للسبع كسائر المباحات . ولذلك لا يوصف السبع لتناول هذه الأشياء بأنه ظالم ، ومتى تناول ملك غيره وصف بهذه الصفة . فأمّا إذا كانت الميتة مما ينتفع بها صاحبها بإهابها أو بلحمها بأن يجعله قوتا لحيوان يختصّ به فإن السبع إذا تناوله يكون ظالما له على ما قدّمناه . ولولا أن البهائم كالعقلاء في كون الشيء رزقا لها لم يكن المانع للبهيمة ، من تناول المباح متوعّدا ، وقد روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المرأة التي حبست الهرّة فلم تطعمها ولا تركتها تلتمس لنفسها ما تتناوله إلى أن ماتت أنها في النار تخمش الهرّة وجهها خالدة مخلّدة فيها أبدا . ولا خلاف أيضا بين الأمّة أن ذلك محرم ، وذلك يدلّ على أن لها تناول المباحات ، وأنه رزق لها ، وإن كان لا يوصف ذلك بأنه مباح لها ، ولا ملك الغير بأنه محظور عليها ؛ لأن الإباحة تقتضى أن الشيء حسن وأنه قد عرف أو دلّ على ذلك من حاله ، فمتى اختصّ بالحسن ولم يحصل له صفة زائدة تقتضى كونه ندبا أو واجبا وحصل التعريف وصف بذلك ، والبهيمة لا يصح هذا المعنى فيها . ولذلك لم نصف القديم تعالى بأن الفعل مباح منه وله ، لمّا لم يصحّ فيه معنى التعريف . فأمّا المحظور فهو عبارة عن المحرّم القبيح إذا عرف فاعله أو دلّ على أنه يجب عليه تجنّبه . فلذلك لا يقال في البهيمة إذا تناولت ملك الغير : إنها فاعلة لمحظور ، وإن كانت ظالمة وما فعلته ظلما ولذلك لا يوصف تعالى بالحظر والتحريم ، لمّا اقتضى ذلك التعريف وما يجرى مجراه . وقد بيّن شيخنا أبو هاشم أن الكلب إذا صاد وامتثل على صاحبه فليس ذلك بظلم ، وهو بمنزلة المباح ؛ لأنه تعالى قد تضمّن له العوض إذا تناوله الكلب كما تضمّن ذلك إذا ذبحه الرجل ، فخرج بذلك من كونه ظلما . ولا معتبر بعلم الكلب بحسن الفعل وقبحه ؛ لأن الأعواض لا يختلف حكمها بمثل ذلك . وقد قال بعضهم : إن الرزق هو النفع الّذي يقع على جهة التقسيط له في الزمان ، وعلى مقدار حاجة المعطى . ولذلك قالوا : رزق السلطان
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 31 | القاضي عبد الجبار الهمذاني