تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
حتى يجد نفسه كائنة متحرّكة أو ساكنة أو حامضة أو حلوة لمّا رجعت هذه الأحكام إلى المحلّ دون الجملة . وهذا أيضا يقوّى ما ذكرناه . ويبيّن ذلك أن الواحد منا يعلم من نفسه أن تصرّفه في الفعل هو بحسب دواعيه من اعتقاد وظنّ ، فيجب أن يدلّ ذلك على أنه الفاعل والقادر ؛ كما إذا شاهد الشيء ملوّنا علم أنه المختصّ بالهيئة دون غيره . يبيّن ذلك أنه يجد حال أعضائه في أنه يدرك بها الألم والحرارة والبرودة متساوية ، وإن كانت الجملة هي المدركة من حيث يقع التصرّف منها بحسب الإدراك من حيث يقع منها الإقدام والإحجام لأمر يرجع إليها دون الأعضاء ، فيجب أن يدلّ ذلك على أن الجملة هي الحيّة . وهذا من قوىّ ما اعتمده شيخنا أبو هاشم - رحمه اللّه - ؛ لأنه قال : إذا كان يجد الألم بأعضائه كلها ، ويدرك بها الحرارة والبرودة فيجب كون جملته حيّة قادرة ؛ لأنه لو كان الحىّ القادر معنى في القلب لم يجب ذلك في أعضائه ؛ كما لا يجب ذلك فيما يلبسه من الثياب لمّا لم يكن / من جملة الحىّ . وهذا بيّن في إبطال مذهب معمّر « 1 » ، ومن يقول : إن الحىّ ليس هو الجسد ، ولا بشيء فيه ولا في القلب . ولا يمكنهم أن يقولوا : إنما أدرك الألم بأعضائه لأنها آلة للمريد الّذي في القلب . وذلك لأن الآلة إنما يجب أن يدرك بها إذا كانت من جملته ؛ ألا ترى أن الآلات المنفصلة منه لا يدرك بها . وكذلك المتّصلة به إذا لم يكن فيها حياة ؛ كالشعر والظفر وغيرهما . وليس الإدراك من الفعل في شيء . وذلك لأن القادر منّا كما يبتدئ الفعل في أبعاضه فقد يصح أن يولّده في غيره . فلذلك صحّ أن يفعل فيما ليس من جملته كما يصحّ أن يفعل فيما هو منها . وليس كذلك إدراك الألم والحرارة والبرودة ، لأنه لا يصحّ إلا بما هو من جملة الحىّ دون غيره ، متصلا كان أو منفصلا .
هامش
( 1 ) هو معمر بن عباد السلمى . عاش في أيام هارون الرشيد . وهو من المعتزلة . تعليقات الانتصار 183
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 314 | القاضي عبد الجبار الهمذاني