بأنها مالكة ، وإن جاز أن يوصف ما تنتفع به بأنه رزق لها ، والصبى وإن جرى مجراها في أنه لا يعقل فإن يده قد ثبتت على أملاكه ، وتقع فائدة التصرف له ، وترجى له الأحوال التي معها يتصرف بنفسه ، ويعرف مواقع نفعه ، فلذلك حلّ محلّ العاقل في أنه يملك الشيء ، وفارق البهيمة فيما ذكرناه .
ولما قدّمناه في حدّ الرزق قلنا : إنه تعالى لا يوصف بأنه مرزوق ، وإن الشيء رزق له ، لاستحالة الانتفاع عليه ، وإنما يوصف بذلك من يصحّ أن ينتفع . ولذلك صحّ أن يوصف تعالى بأنه مالك لمّا لم يقتض ذلك صحّة الانتفاع بالشيء على الحدّ الّذي اقتضاه الرزق ، ولذلك قد يوصف ما لا يملكه الإنسان بأنه رزقه إذا أبيح له تناوله والانتفاع به ، وإن كان قبل التناول غير مالك له ؛ كالأمور المباحة ، وكبذل الطعام للغير ، إلى ما شاكله .
وقد بينّا من قبل أن الملك هو القدرة ، وأن المالك هو القادر ، فكلّ من قدر على شيء ولم يكن لأحد منعه منه على الوجه الّذي يقتضي قدرته / التعرّف فيه وصف بهذه الصفة ولذلك وصف تعالى بأنه مالك لم يزل ، ووصف نفسه بأنه مالك يوم الدين ؛ وبيّنّا أن وصفهم لسيّد العبد بأنه مالكه قد حذف منه ذكر التصرّف ؛ لأن ملك العتق لا يعقل له معنى إذا لم يصرف ذلك إلى التصرف المخصوص . ولذلك يقال : إنه لا يملك قتل عبده ، ويملك استخدامه ، ولا يوصف بأنه يملك عبد غيره وإن قدر على تصريفه لمّا كان للغير منعه منه . وبيّنّا أن الوكيل وإن تصرّف في المال فإنه لا يوصف بأنه مالك ، لأنه يخلف الموكّل ، والملتمس بالتصرف يحصل للموكّل ، ونحن وإن تصرفنا بإذنه تعالى في الأمور فإنا قد نملكها ، لأن المبتغى بالتصرف يحصل لنا ، ولذلك وصفنا الصغير بأنه مالك لمّا كان المطلوب بالملك يحصل له ، ويرجى وصوله إلى حال يتصرّف في المال تصرفا مطلقا . والبهيمة وإن كانت قادرة فإنما لم توصف بالملك لأنها لا تختصّ
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 28
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٨