تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
لأن هذه المعارف إنما يحسن تكليفها من حيث كانت ألطافا ، فلا بدّ من تكليف متأخّر عنها وإن قلّ ، فالأولى في هذا القدر أن يتقدم إرادة اللّه - تعالى - له ؛ لأنه بإكماله عقله مع تكامل سائر الشروط قد تضمّن أن يكلفه هذا القدر ، فلا يكون لتأخير الإرادة والتكليف عن الحال الأولى وجه . وهذا هو الأولى على طريقة أبى عليّ - رحمه اللّه - إذ « 1 » قال : إن من المعلوم من حاله أنه يؤمن فلا بدّ من أن يكلّفه إلى الوقت الّذي يؤمن فيه ، وإن كنت لا أحفظ ذلك عنه نصّا ؛ لأن قوله : إنه يجب أن يكلّف / كلّ هذه الأوقات يحتمل أن يريد به تجديد التكليف حالا بعد حال ، ويحتمل أن يكلّفه ذلك أجمع في ابتداء حال التكليف . وقد بيّنّا أن إرادته فعل غيره مفارقة لإرادته فعل نفسه ؛ لأنها تصير جهة لفعله ، أو إيثارا له على غيره ، فلذلك وجب مقارنتها للمراد أو لسببه ، وقبح تقدّمها ، وليس كذلك إرادة فعل غيره على وجه التكليف ؛ لأن الغرض بها لا يحصل إلّا وهي متقدمة ، على ما بينّاه .

الكلام في مائيّة المكلّف وحقيقته

اعلم أن المكلّف هو القادر العالم المدرك الحىّ المريد ؛ لأنه - تعالى - لا يكلّف الفعل إلّا القادر على إيجاده ، العالم بكيفيّته ، المريد لإحداثه على وجه دون وجه . ولا يكون القادر قادرا إلّا وهو حىّ . ولا يصحّ أن ينفصل حال الحىّ من غيره إلّا بكونه مدركا للمدركات عند ارتفاع الموانع ، وبصحّة كونه عالما قادرا . ولا معتبر في هذا الباب بوصفه بأنه إنسان ؛ لأن الملائكة مكلّفة وإن لم توصف بذلك . وإنما نذكر الخلاف في الإنسان : ما هو ؟ لأنهم اختلفوا في الحىّ القادر : ما هو ؟ وكلّ من قال فيه بقوله وصفه بأنه الإنسان . واختلفوا أيضا في حقيقته من جهة اللغة . ونحن نذكر جملة
هامش
( 1 ) في الأصل : « إذا » .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 309 | القاضي عبد الجبار الهمذاني