إذا لم يخاطب بالفعل وإنما خوطب بحفظه ونقله « 1 » فذلك غير ممتنع .
فإن قال : أليس من قولكم أن المصلحة في باب الكلام إنما تكون بمعرفة معناه دون لفظه ، وقلتم : إنه لو كانت المصلحة تتعلق بجنسه لم يكن بينه وبين الصوت فصل ، فكيف يصحّ لكم القول بأنه يحسن منه - تعالى - أن يخاطب النبطىّ بالعربيّة ليحفظه وينقله ، قيل له : إنما حكمنا بحسن ذلك لأن ما ينقله ممّا يمكن أن يفهم المنقول إليه المراد به ، فالمصلحة لم تتعلّق بلفظه ، بل تعلّقت بمعناه فيمن الخطاب له . فأمّا من خوطب بحفظه ونقله فقد عرف أيضا صفة ما يحفظه وينقله ، فحسن أن يكلّف ذلك ، وفارق ما سألت عنه من خطاب العربىّ بالزنجيّة إذا لم يكن نفس المخاطب متمكّنا من معرفة معناه .
فإن قيل : إن ما ذكرتموه من علّة حسن / تقديم الأمر بأوقات كثيرة بيّن ، لكنه لا يستمرّ في تقديم الإرادة التي هي التكليف الفعلىّ « 2 » ، فما قولكم فيها ؟ أتوجبون تقدّمها بوقت واحد فقط ، أو يجوز تقدّمها الأوقات الكثيرة ، على ما ذكرتموه في الأمر قيل له : أمّا الإرادة المقارنة للأمر فهي تتقدّم كتقدم الأمر سواء ، على ما قدّمناه ، فأمّا التكليف الفعلىّ « 2 » فإن علم - تعالى - أنه إذا أظهر الدلالة على تقدّم الإرادة كان فيه زيادة صلاح فإنه يقدّم الإرادة ، لا محالة . ومتى لم يكن الحال كذلك لم يجب تقديمها ؛ لأن الدلالة إنما تدلّ من جهة العقل على أنه - تعالى - إذا جعل المكلف بالأوصاف التي يجب أن يكلف فلا بدّ من أن يكلّفه ويريد منه فعل ما كلّف من غير أن يدلّ على تقديم الإرادة ، أو على مقدار التكليف ، أو على أن ما يكلّفه من المدّة يجب أن يريد جميعه منه عند أول ما يكلّفه ، أو يريد ذلك منه حالا بعد حال . والقدر الّذي يدلّ العقل على أنه لا بدّ من أن يكلّفه معرفة العدل والتوحيد ، ويكلفه من بعد أقلّ ما يجوز التكليف فيه ؛
هامش
( 1 ) في الأصل : « فعله » .
( 2 ) في الأصل : « العقلي » والظاهر ما أثبت .