فصل في حسن تقدّم الأمر حال الفعل بأوقات كثيرة
أعم أن في الناس من يقول بقولنا في أن الأمر لا بدّ من أن يتقدّم وقت الفعل ، لكنه امتنع من تقدمه الأوقات الكثيرة ، وظن أنه يلزمه على ذلك أن يكون مأمورا بما لا سبيل له إلى فعله ، وأن يكون مأمورا / في حال هو فيها عاجز أو معدوم أو غير قادر ، أو أنه يلزم عليه أن يكون عبثا إذا تقدّم الأوقات الكثيرة .
والأصل في ذلك عندنا أنه لا بدّ من أن يتقدّم القدر الّذي يحصل به العرض من صحّة الاستدلال به على حال الفعل ، أو صحّة كونه لطفا وداعيا . ولسنا نجد في ذلك حالا ؛ لأن ضبط ذلك يتعذّر على المكلف ؛ لأنه لا يتمكّن من معرفة الأوقات جزءا جزءا على التفصيل ، وإنما نطلق القول فنقول : يجب تقدّمه بوقت واحد ، نريد به الإبانة عن وجوب تقدّمه من غير قصد منّا إلى كلّ الأوقات في ذلك . وأما تقدّمه الأوقات الكثيرة فإنما يحسن إذا حصل فيه معنى زائد ؛ على ما ذكرناه ، ونعلم أن ذلك المعنى كان لا يحصل لولا تقدمه ، فيحسن لأجل ذلك . وهذا نحو أن يعلم - تعالى - أن تقدّم الأمر مصلحة لقوم يتحملونه ويؤدّونه إلى المخاطب في المستقبل ، فيحسن لأجل ذلك تقدّمه .
وكذلك القول إذا كان المعلوم أن ذلك الخطاب يعمّ من وجد في الحال ومن يخلق في المستقبل فيحسن تقدّمه ؛ نحو تقدم قوله - تعالى - :
( أَقِيمُوا الصَّلاةَ )
للأوقات التي وجدنا فيها ، وإن كنا مخاطبين به ؛ إلا أن ذلك ليس هو بتقدم الأمر للمأمور به ، وإنما هو تقدّم لبعض ما تناوله الأمر دون بعض ، والوجه الأول هو تقدم الأمر للمأمور به . ويخالف ذلك ما نقوله من أن تقدم إرادته - تعالى - للمرادات من فعله يقبح ؛ لأن ذلك إنما قبح لأنه في حال ما يفعل لا بدّ من أن يريد الفعل على الوجه الّذي كان يريده لو لم