لا يعلم به أن الآمر يشاء منه أمرا مجرّدا ، أو أنه يضيّق الإلزام في المستقبل ، فكيف يمكن أن يقال : إنه إعلام على هذا الوجه . ومتى بنى القوم هذا الكلام على قولهم بأن القدرة مع الفعل فقد بينّا سقوط ذلك في باب الاستطاعة . على أن الّذي يعرف أمرا في الشاهد هو ما يتقدم الفعل ، فكيف سوّغ لهم أن يقولوا : إن الأمر في الحقيقة هو ما يقارن الفعل ، وهل ذلك إلّا قلب للغة والتعارف .
وإن قال : إني أخالف في المعنى فأحيل تقدّم الأمر لوقت الفعل ، قيل له :
قد بيّنّا / صحّة وجود اللفظ وصحّة إرادة الفعل ، وأن هذا حدّ الأمر فكيف يصحّ ما ذكرته .
فإن قال : إنه إذا تقدّم لم يفد فلذلك منعت منه ، قيل له : قد بينّا أنه إنما يفيد إذا تقدّم الأمر ، بالعكس مما ذكرته .
وبعد ، فلو صحّ ما قلته لوجب إذا حصل في تقدّمه معنى أن يحسن . وذلك يبطل قولهم .
على أن الأمر قد يكون أمرا بفعل يوجد في وقت واحد ، والأمر لا بدّ من أن يكون حروفا توجد في أوقات ، فلا بدّ من أن يقولوا بتقدّم بعض الحروف لوقت الفعل ؛ لأنهم إن لم يقولوا بذلك لزمهم القول بتأخّره عن حال الفعل ، وهذا لا يصحّ .
وإذا جاز أن يتقدّم بعض حروف الأمر حال الفعل فهلّا جاز ذلك في سائره . وإذا جاز أن يكون ما به صار أمرا يتقدم الحروف ويفارق أول حرف ، والحروف الأول لا بدّ من أن تتقدّم وقت الفعل فيجب أن يكون الأمر بكماله في الحكم كأنه متقدّم لوقت الفعل وإذا صحّ أن يوجد الأمر في وقت موسّع للمأمور أن يؤخر المأمور به فهلّا جاز تقدّمه هذا الوقت أيضا ؛ على ما قلناه . وكل ذلك يبين فساد طريقة القوم في هذا الباب وصحّة ما أوردناه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 303
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٠٣